باب المندب يختبر تحالفات السعودية الجديدة

 

تقدم الحوثيين يضع اتفاق مكة والتحالف البحري أمام الاختبار.. والرياض قد تبحث عن صيغة إقليمية أوسع لحماية البحر الأحمر

الرياض لم يعد التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن مجرد تطور جديد في الحرب اليمنية، بل تحول إلى اختبار مباشر لشبكة الترتيبات الأمنية التي سعت السعودية إلى بنائها خلال الأشهر الأخيرة. فسيطرة الحوثيين على المخا واقترابهم من باب المندب، بالتزامن مع السيطرة على جزيرة ميون ومواقع أخرى في البحر الأحمر، تضع الرياض أمام سؤال عملي: هل تستطيع التحالفات الجديدة التي أعلنتها أن تتحول من مظلات سياسية وردعية إلى أدوات عسكرية قادرة على منع تغيير موازين القوة عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟

ويأتي الاختبار في وقت بالغ الحساسية بالنسبة إلى السعودية. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز دفع الرياض إلى الاعتماد بصورة أكبر على البحر الأحمر لتصدير النفط، قبل أن تتعرض منشآتها ومساراتها النفطية لهجمات جديدة. ومع وصول الحوثيين إلى مواقع متقدمة عند باب المندب، أصبحت المملكة تواجه احتمال تعرض منفذي تصديرها الرئيسيين لضغوط متزامنة من الشرق والغرب.

ولم تكن الرياض غافلة عن هذا الاحتمال. فقد أعلنت في يوليو تأسيس تحالف بحري متعدد الدول لحماية الملاحة في البحر الأحمر، ثم جرى في أغسطس توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة بدت جزءاً من مسعى أوسع لتنويع الخيارات الأمنية وعدم ترك أمن المملكة رهناً بمظلة واحدة.

لكن تقدم الحوثيين جاء سريعاً بما يكفي ليضع هذه الترتيبات أمام أول اختبار حقيقي.

ويفترض اتفاق مكة أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً على الدول الأخرى، وهو ما يمنح الاتفاق قيمة ردعية كبيرة. لكن السؤال الذي تطرحه التطورات الحالية يتعلق بحدود هذا الالتزام: هل ينطبق على هجمات الحوثيين على الأراضي والمنشآت السعودية، أم أن التعامل معها يظل في إطار الدعم السياسي والأمني والتعاون الاستخباري؟

حتى الآن، لا تبدو هناك مؤشرات على انتقال الاتفاق إلى عمل عسكري مباشر. فقد أكدت باكستان في العاشر من سبتمبر أنها ملتزمة بالاتفاق، لكنها قالت في الوقت نفسه إنه لم تُبحث إجراءات عسكرية فورية رداً على الهجمات الحوثية على السعودية. ويكشف ذلك عن الفجوة المحتملة بين إعلان منظومة دفاع جماعي وبين تفعيلها عندما تصبح كلفة التدخل مرتفعة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتفاق فشل. فقد يكون مصمماً أساساً للردع، أو لحالات عدوان محددة، وليس للتدخل في حرب داخل دولة ثالثة. لكن الغموض نفسه قد يصبح مشكلة بالنسبة إلى السعودية إذا استمرت الضغوط العسكرية على حدودها ومنشآتها، بينما يرسخ الحوثيون وجودهم على الضفة المقابلة من البحر الأحمر.

في هذه الحالة قد تعود الرياض إلى خيار أكثر قرباً من الجغرافيا: إعادة تفعيل التعاون العربي في البحر الأحمر، ولكن بصيغة مختلفة عن التحالف الذي قادته السعودية في الحرب اليمنية منذ 2015.

وتملك مصر في هذا السياق موقعاً يصعب تجاهله. فهي الدولة العربية الأكبر اتصالاً بالبحر الأحمر، وتتحمل مباشرة كلفة أي اضطراب طويل في باب المندب بسبب ارتباطه بقناة السويس. وكلما اتسع نطاق التهديد الحوثي، أصبح أمن باب المندب بالنسبة إلى القاهرة قضية اقتصادية وأمنية وليست مجرد ملف يمني.

أما السودان، فيمكن أن يوفر بعداً جغرافياً مهماً لأي ترتيبات بحرية جديدة، بالنظر إلى امتلاكه ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموقعه المقابل للممرات البحرية السعودية واليمنية. لكن الوضع الداخلي السوداني يجعل أي دور عسكري مباشر شديد التعقيد، ولذلك قد يكون الدور السوداني أقرب إلى التعاون اللوجستي والأمني وتأمين المجال البحري من المشاركة في عمليات داخل اليمن.

وتبرز في الوقت نفسه دول الخليج الأخرى، ولا سيما البحرين وقطر والكويت. فالبحرين تمتلك خبرة بحرية وتستضيف وجوداً عسكرياً أميركياً مهماً، بينما تتمتع قطر والكويت بقدرات سياسية ولوجستية يمكن أن تدعم ترتيبات أمنية إقليمية من دون أن تتحولا بالضرورة إلى طرف في الحرب اليمنية.

والمفارقة أن أسماء هذه الدول موجودة أصلاً في التحالف البحري الذي تقوده السعودية للبحر الأحمر، إلى جانب مصر والسودان وباكستان وتركيا ودول أخرى. لكن السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة هو ما إذا كان هذا التحالف سيبقى إطاراً لحماية السفن فقط، أم يمكن أن يتطور إلى آلية للتعامل مع القوة التي باتت تسيطر على مواقع استراتيجية عند مدخل البحر الأحمر.

قد يكون هذا هو التحول الذي تحتاج إليه الرياض الآن. فالمشكلة لم تعد فقط في اعتراض سفن أو تهديد ناقلات، وإنما في نشوء واقع عسكري جديد على جانبي الممر البحري. وإذا استقرت السيطرة الحوثية على ميون ومناطق الساحل الغربي، فإن حماية الملاحة قد تصبح أكثر صعوبة من مجرد نشر قطع بحرية أو مرافقة السفن.

ومن هنا قد تجد السعودية نفسها أمام خيارين: إما انتظار تبلور موقف عسكري من حلفائها الجدد، أو إعادة صياغة شبكة التحالفات بحيث يصبح البحر الأحمر قضية أمن جماعي للدول المطلة عليه والمتضررة من إغلاقه.

وهذا الخيار قد يعطي مصر دوراً أكبر، ويمنح السودان موقعاً في ترتيبات أمن البحر الأحمر، ويفتح المجال أمام مشاركة خليجية من البحرين وقطر والكويت، من دون العودة بالضرورة إلى نموذج التحالف العربي القديم.

فالظرف الحالي مختلف؛ السعودية لا تبحث فقط عن حلفاء لمحاربة الحوثيين، وإنما عن ترتيب أمني يمنع تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة على صادراتها النفطية وعلى التجارة العالمية.

وتزداد أهمية هذا الخيار مع استمرار التهديدات على مسارات النفط السعودية. فقد اضطرت المملكة إلى وقف خط أنابيب الشرق-الغرب بعد هجمات بطائرات مسيرة، في وقت يهدد فيه الحوثيون الطريق البحري البديل عبر البحر الأحمر.

وهكذا يتحول باب المندب إلى اختبار مزدوج: اختبار لقدرة السعودية على بناء منظومة أمن إقليمية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة، واختبار لمدى استعداد شركائها الجدد لتحويل اتفاقات الدفاع والتعاون البحري إلى التزامات عملية عندما يصبح التهديد واقعاً.

وإذا بقيت هذه التحالفات عاجزة عن التحرك بينما يرسخ الحوثيون مواقعهم عند باب المندب، فقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى البحث عن صيغة جديدة، يكون عنوانها هذه المرة تحالفاً عربياً وإقليمياً لحماية البحر الأحمر، لا مجرد تحالف سياسي لاحتواء الحرب اليمنية.

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.