حين تتحول «المدنية» من قيمة وطنية إلى أداة لإقصاء الشعوب
الباشا طبيق
يكتب
/
كثر في الخطاب السياسي السوداني استخدام مصطلح «القوى المدنية السياسية»، حتى أصبح في بعض الأحيان أقرب إلى كلمة سر تُفتح بها أبواب السلطة، وتُغلق بها أبواب المشاركة أمام آخرين.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: من يملك حق تعريف القوى المدنية السياسية؟ ومن قرر أن المدنية حكرٌ على الأحزاب والنخب السياسية، وأن الملايين الذين خرجوا من هامش الدولة وتاريخ الإقصاء لا يحق لهم أن يكونوا جزءًا من المشهد السياسي؟
في التعريف السياسي العام، فإن القوى المدنية السياسية هي مجموع الفاعلين والتنظيمات غير العسكرية في المجتمع، التي تسعى إلى المشاركة في إدارة الشأن العام، والتأثير في صناعة القرار، وتحقيق التحول السياسي بالوسائل السلمية. وتشمل الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات والاتحادات، والحركات الشبابية والمطلبية، وغيرها من أشكال التنظيم المجتمعي.
وهذا تعريف لا خلاف عليه من حيث المبدأ.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التعريف من وصف موضوعي لمكونات المجتمع السياسي إلى امتياز تمنحه النخب لمن تشاء، وتحجبه عمن تشاء.
التجربة السودانية تقول إن جزءًا كبيرًا من النخب السياسية ظل يتعامل مع مفهوم «القوى المدنية» باعتباره ناديًا مغلقًا، له شروط عضوية غير مكتوبة: أن تكون منتميًا إلى حزب تقليدي، أو قريبًا من النخب المركزية، أو مقبولًا لدى دوائر سياسية وإعلامية محددة.
أما ملايين السودانيين الذين ظلوا لعقود خارج مركز القرار، فيُنظر إليهم غالبًا باعتبارهم جمهورًا يُستدعى عند الانتخابات، أو وقودًا للثورات، أو أرقامًا في بيانات التأييد، ثم يُطلب منهم العودة إلى الصفوف بعد انتهاء المعركة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذا كانت المدنية تعني مشاركة المواطنين في إدارة دولتهم، فإن الذين ظلوا محرومين من المشاركة لعقود هم الأحق بأن تكون لهم مساحة حقيقية في إعادة تأسيس الدولة.
أما إذا أصبحت «المدنية» مجرد غطاء لإعادة إنتاج النخب القديمة، فإنها تفقد معناها الأخلاقي والسياسي، وتتحول إلى أداة جديدة من أدوات الإقصاء.
السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يمكن التعامل مع مفهوم القوى المدنية السياسية بمعزل عن طبيعة الصراع السوداني الراهن؟
السودان يعيش حربًا وانقسامًا عميقًا، وفي مثل هذه الظروف تتغير طبيعة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. فالحرب لا تُبقي المجتمع في حالة سياسية ثابتة؛ بل تدفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى التنظيم، والبحث عن بدائل سياسية، والاصطفاف حول مشاريع ورؤى جديدة للدولة.
ومن الخطأ السياسي والمنهجي أن يُقال إن المجتمع المدني موجود فقط حيث توجد الأحزاب والنخب المعروفة، بينما يتم تجاهل ملايين المواطنين الذين دخلوا المجال العام بفعل التحولات السياسية والاجتماعية التي أفرزتها الحرب.
فالمدنية ليست بطاقة عضوية في حزب، وليست لقبًا تمنحه مجموعة من السياسيين لبعضهم البعض.
المدنية، في جوهرها، هي حق المواطن في أن يكون شريكًا في صناعة الدولة وتحديد مستقبلها.
هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
هل يفقد المواطن صفته المدنية والسياسية لمجرد أنه اختار الاصطفاف مع قوات تأسيس، التي تعمل من موقعها كقوة عسكرية ضمن مشروع التغيير الجذري وبناء السودان الجديد؟
وهل يصبح ملايين السودانيين الذين اختاروا الوقوف سياسيًا وشعبيًا إلى جانب هذا المشروع خارج تعريف «القوى المدنية والسياسية»، لمجرد أن المشروع يحظى بوجود عسكري يحميه ويدافع عنه؟
إن هذا المنطق، إذا أُخذ إلى نهايته، يعني أن حق المشاركة السياسية يصبح مشروطًا بالاصطفاف مع النخب والأحزاب التقليدية، لا بالموقف السياسي للمواطن ولا بحقه الأصيل في المشاركة وصناعة مستقبل بلاده.
في السياق السوداني الراهن، اختارت قطاعات واسعة من المواطنين والقوى الاجتماعية والسياسية الاصطفاف مع قوات تأسيس، باعتبارها جزءًا من مشروع التغيير الجذري الذي يستهدف تجاوز منظومة الدولة القديمة، وبناء سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية.
قد يختلف البعض مع هذا الاصطفاف، وقد يرفض مشروع «تأسيس»، وهذا حق سياسي مشروع.
لكن الاختلاف مع خيار هؤلاء المواطنين لا يمنح أحدًا الحق في إسقاطهم من المعادلة السياسية، أو اختزالهم في مجرد أتباع لقوة عسكرية، أو مصادرة حقهم في المشاركة في تقرير مستقبل السودان.
والأهم أن الحديث هنا لا يتعلق فقط بالاصطفاف العسكري، وإنما بوجود مشروع سياسي واجتماعي تشكل حوله حاضنة شعبية، وتبلورت له أطر سياسية وتنظيمية، وأُنتج في إطاره ميثاق سياسي ودستور انتقالي ومشروع لحكومة السلام الانتقالية.
ومن ثم، فإن محاولة اختزال كل هذا الحراك في «قوة عسكرية» وحدها ليست قراءة سياسية جادة، بل محاولة لتجاهل التحولات التي حدثت في بنية المجتمع السياسي السوداني.
فالسؤال الحقيقي ليس: مع من اصطف هؤلاء؟ وإنما: لماذا اختارت قطاعات واسعة من السودانيين الاصطفاف مع مشروع التغيير الجذري؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه النخب السياسية بدلًا من الهروب منه عبر توزيع صكوك «المدنية» و«الوطنية» على من تشاء، ونزعها عمن تشاء.
من هذه الزاوية، فإن ظهور تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، وما ارتبط به من ميثاق سياسي ودستور انتقالي ومشروع لحكومة السلام الانتقالية، يمثل تطورًا سياسيًا ينبغي قراءته بجدية، سواء اتفق المرء معه أو اختلف.
فالسياسة لا تُقاس فقط بمن يمتلك المنابر الإعلامية القديمة، ولا بمن لديه تاريخ طويل في الأحزاب، وإنما كذلك بمن يستطيع تحويل القاعدة الاجتماعية إلى مشروع سياسي ومؤسسات ورؤية للدولة.
قد يرفض البعض مشروع «تأسيس»، وقد ينتقده، وقد يختلف مع قياداته أو خياراته؛ وهذا حق سياسي لا جدال فيه.
لكن محاولة إنكار وجود قاعدته الاجتماعية، أو اختزالها في مجرد «أتباع لقوة عسكرية»، ليست تحليلًا سياسيًا جادًا، وإنما محاولة للهروب من السؤال الحقيقي:
لماذا استطاعت هذه القوى أن تجد لنفسها قاعدة وسط قطاعات واسعة من السودانيين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الاعتراف بوجود أزمة عميقة في النموذج السياسي القديم، وأن قطاعات واسعة من السودانيين لم تعد ترى مستقبلها في الصيغ السياسية التي ظلت تتكرر منذ الاستقلال.
المشكلة ليست في وجود الأحزاب السياسية.
وليست في وجود منظمات المجتمع المدني.
وليست في مشاركة النخب.
المشكلة في احتكار تعريف من يحق له أن يكون مدنيًا وسياسيًا.
السودان الجديد، إذا كان هناك إجماع حقيقي على بنائه، لا يمكن أن يكون مشروع نخبة جديدة تحل محل نخبة قديمة، ولا مشروع مركز يعيد إنتاج هيمنته على الأطراف، ولا مشروع مجموعة سياسية تقرر نيابة عن ملايين المواطنين من هو الوطني ومن هو غير الوطني، ومن هو مدني ومن هو غير مدني.
السودان الجديد يجب أن يكون دولة مواطنة متساوية؛ دولة لا تُقاس فيها قيمة الإنسان بانتمائه الجغرافي أو السياسي أو الاجتماعي، ولا يُمنح فيها حق المشاركة وفقًا لشهادة حسن سير وسلوك تصدرها النخب.
لقد انتهى الزمن الذي يمكن فيه اختزال السودان في مجموعة أحزاب ونخب تتحدث باسمه، بينما تُترك قطاعات واسعة من شعبه خارج دائرة التأثير وصناعة القرار.
هناك ملايين السودانيين الذين يريدون التغيير، وملايين آخرون يبحثون عن دولة مختلفة عن الدولة التي أورثتهم الحرب والفقر والتهميش وانعدام العدالة.
هؤلاء ليسوا هامشًا في المعادلة… هؤلاء هم المعادلة.
ومن يريد الحديث عن الديمقراطية، عليه أولًا أن يقبل بتعدد المجتمع السياسي بكل تناقضاته، لا أن ينتقي منه ما يعجبه ويقصي ما لا يعجبه.
ومن يريد الحديث عن المدنية، عليه أن يفهم أن المدنية ليست امتيازًا للنخب، بل حقًا أصيلًا للمواطنين.
ومن يريد بناء السودان الجديد، عليه أن يدرك حقيقة بسيطة:
لا يمكن تأسيس دولة جديدة بعقلية الدولة القديمة.
فالسودان الذي تصنعه الشعوب السودانية اليوم لن يكون بالضرورة هو السودان الذي اعتادت النخب السياسية أن ترسمه في غرفها المغلقة.
والذين يظنون أنهم يستطيعون تجاوز الملايين الذين يطالبون بالتغيير الجذري، إنما يكررون الخطأ التاريخي نفسه:
يتحدثون عن الشعب… بينما لا يستمعون إليه.
والتاريخ السوداني أثبت أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها عندما تقرر تغيير قواعد اللعبة، فإنها لا تستأذن أحدًا.
نيالا ::
الأحد 13 سبتمبر 2026