تشريح كذبة الإطاري البديل.. البرهان والذاكرة المأزومة وتزييف الحقائق ضد خالد عمر يوسف وبابكر فيصل..

تشريح كذبة الإطاري البديل..

البرهان والذاكرة المأزومة وتزييف الحقائق ضد خالد عمر يوسف وبابكر فيصل..

 

✍️بقلم احمد عثمان محمد المبارك

 

يتطلب العمل السياسي القائم على الخداع مهارات استثنائية يتصدرها ذكاء تكتيكي وذاكرة حديدية، فالسياسي الذي يختار التضليل لترسيخ سلطته يحتاج إلى ذاكرة من حديد تحفظ كل حبكة وتراعي أدق التفاصيل لضمان عدم تضارب رواياته.. أما حين تبنى السلطة على الكذب مع آفة النسيان وافتقار الغطاء السياسي الاستشاري، فإن المشهد يتحول إلى سلسلة من الفضائح الإعلامية والسقطات المكشوفة التي تترصدها القوى المدنية الواعية وتفككها أولاً بأول…

 

​يقدم المشهد السياسي السوداني النموذج الأوضح لهذه الظاهرة في شخص عبد الفتاح البرهان، الذي اعتلى سدة السلطة وحاول التمسك بها عبر خطاب متناقض ومضطرب.

 

ولعل السبب المباشر والداعي لاستدعاء هذا التحليل، هو الخطاب الأخير الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام جمع من الإعلاميين والصحفيين الموالين والداعمين لسلطته؛ حيث يخرج الرجل كعادته بتصريح مأزوم يزعم فيه أن قادة مدنيين بارزين  وتحديداً خالد عمر يوسف وبابكر فيصل (إلى جانب مريم الصادق)  قدّموا له عرضاً أو اتفاقاً بديلاً للاتفاق الإطاري يضمن لهم السيطرة على السلطة والاستمرار لعشر سنوات. هذا التصريح لم يكن مجرد مانشيت إعلامي عابر، بل كان تجسيداً صارخاً للكذب السياسي المنفصل عن واقع الأمس القريب، وعينة حية ومبشرة لتفكك الخطاب السياسي لرئيس سلطة يفتقر لأي غطاء استشاري يعينه على صياغة أكاذيبه بشكل  متماسك.

 

​وتعد هذه الكذبة الأخيرة تجسيداً صارخاً لنظام التفكير المضطرب لدى البرهان، حيث يعكس التصريح محاولة للهروب نحو الأمام وإلقاء اللوم على الخصوم المدنيين (بغباء منقطع النظير) لتغطية مسؤوليته عن انقلاب أكتوبر واندلاع الحرب.. كما يكشف هذا الادعاء المتأخر استغفالاً للذاكرة الجمعية للشعب السوداني، إذ يتجاهل الرجل السؤال البسيط حول سبب صمته عن هذا الاتفاق السري المفترض طوال تلك المدة ومواصلته التفاوض حول الإطاري المعلن. ولم يكن اختيار البرهان ملتقى إعلامي يضم المؤيدين له سوى محاولة للهروب إلى بيئة آمنة تضمن غياب الأسئلة الناقدة التي قد توجّه له في مواجهة مفتوحة.

 

​إن هذا السلوك لا يقف عند حدود حادثة بعينها، بل يتصل بسلسلة طويلة من التناقضات الخطابية التي شكلت ملامح هذا الرجل  منذ بدايته. فقد استهل البرهان عهده بتقديم نفسه كحارس للانتقال الديمقراطي والضامن لتسليم السلطة للمدنيين، قبل أن ينقلب على ذلك التعهد واصفاً قراراته بتصحيح المسار، ليعد بعدها بوقت قصير  ليقر بأن الانقلاب كان خطأً سياسياً لم يحقق غايته.. ويتكرر الأمر ذاته في خطابه حول انسحاب المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية؛ فبينما يصر في كل محفل على رغبة الجيش في الابتعاد السياسة بمجرد توافق القوى المدنية، يعود في محفل آخر ليشترط حظر قوى محددة أو عدم تسليم السلطة إلا لحكومة يرتضيها هو، معطلاً بذلك كل فرص التوافق. وحتى في تعاطيه مع ملف قوات الدعم السريع، تحولت تلك القوات في خطابه من رحِم موصول بالقوات المسلحة وشريك حامي للبلاد، إلى متمردين ومرتزقة بعد اندلاع النزاع المسلح، مما يبرز غياب الرؤية الاستراتيجية وتناسي المقتضيات السياسية التي أسهمت في تضخيم نفوذ تلك القوات بالأمس.

 

​إن هذا التناقض المستمر يعود إلى بنية العزلة السياسية التي يحاط بها البرهان، حيث يفتقر إلى مطبخ سياسي احترافي قادر على هندسة الخطاب وضبط اتساقه المنطقي والتاريخي. وقد دفعه هذا الفراغ إلى الاعتماد الكلي على القوة المسلحة وسلطة الأمر الواقع، متوهماً أن ملكية أدوات العنف تغني عن ملكية الحجة والتصور السياسي المتماسك. وهذا الاتكاء المطلق على القوة أفقده القدرة على مناورة الخصوم المدنيين الذين يستندون إلى الوعي القانوني والتفنيد التوثيقي، مما يجعل كل خروج إعلامي له مادة سهلة للتشريح والنقد أمام الرأي العام المحلي والدولي.

 

​أنتج استمرار هذا الخطاب المضطرب  تداعيات خطيرة تطال مستقبل البلاد بأكملها، حيث تتآكل المصداقية المحلية والدولية للسلطة الحاكمة، وتتحول التصريحات إلى مجرد استهلاك إعلامي وقتي يفقد أثره بمجرد انتهائه. كما يتسبب غياب الالتزام بالعهود في انسداد أفق الحلول التفاوضية وإطالة أمد الأزمة، محولاً  الدولة إلى ثكنة مضطربة تعجز عن تقديم أي نموذج حكم مدني مستقر.

 

​واخيرا فإن التضليل بلا ذاكرة متقدة ولا مؤسسية استشارية لا يقود إلا إلى الانكشاف الذاتي. وتقف تصريحات البرهان الأخيرة أمام حشد إعلاميي كحجة إضافية تؤكد أن مواجهة قوى مدنية تدرك التفاصيل وتوثق الأحداث تصبح مهيمة عسيرة، وأن المراهنة على السلاح مع غياب العقل والذاكرة السياسية هي أقصر الطرق لتفكك المشاريع الاستبدادية وانكشاف أكاذيبها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.