الوجه الآخر للحرب.. الخبز يشعل ثورة صامتة ويبدل حال الناس
ربما لم تكن الحرب وحدها كافية لتشعر الناس بالقهر والمعاناة، بل كانت وسيلة لتجريدهم من كل ما هو متصل بالحياة، صفوف (صحن البليلة) التي مازال الآلاف يعتمدون عليها في قوت يومهم لا يصحبها خبز لكي تكتمل الوجبة، لأن الخبز أصبح غير متاح للجميع، ووصل درجة الرفاهية في وطن يئن من الحرب والجوع، بعد ان اصبح سعر 3 قطع من الخبز ألف جنيه سوداني، وفي بعض المناطق رغيفتان فقط بألف جنيه. حجمها لا يغني من جوع.
حصار ضرب على المواطنين متمثل في شح الخدمات وارتفاع الأسعار، بعد رحلة نزوح ولجوء الى خارج البلاد عادوا ليجدوا أن الواقع الذي صور لهم عن طريق الحكومة ما هو الا مبالغة لدفعم لعودة غير مخطط لها، ولم يكن انقطاع الكهرباء وضيق فرص العمل والمضايقات الاخرى وحدها قاصمة ظهر، بل أصبح الخبز هو المحك الحقيقي الذي يواجهه المواطن كي يبقى على قيد الحياة.
ما بين الجشع وقرارات الحكومة
وفي إطار أزمة الخبز التي ألقت بظلالها على واقع معاناة المواطنين، ارتفعت الاصوات منددة بغياب الحكومة عن أزمة الأسعار واصبح الخبز حديث المجالس تلك التي أصبحت ملاذا للذين تقطعت بهم السبل بعد أن فقدوا مصادر دخلهم واصبحوا في عداد العاطلين عن العمل بأمر الحرب.
وعقب ارتفاع الاصوات قال والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، إن حكومة الولاية في إطار سعيها لتخفيف المعاناة عن المواطنين اتخذت جملةً من التدابير، لتخفيف اسعار السلع الاستهلاكية ووعد بإقامة منافذ للبيع المخفض ودعم الدقيق لتوفير الخبز للمواطنين.
وفي السياق كانت ولاية الخرطوم وجهت باعفاء الرسوم على المخابز من المحليات بالولاية حتى نهاية العام والتأمين على عمل المخابز بالأسعار القديمة.
من جانبها أعلنت وزارة الصناعة والتجارة عن خفض الدقيق للمخابز إلى 87 الف جنيه وأنها ستعلن لاحقا عن سعر 4 قطع من الخبز مقابل 1000 من الجنيهات.
وفي تصريح للناطق الرسمي باسم تجمع أصحاب المخابز لقناة الجزيرة عاصم عكاشة قال: إنه يتوقع أن يصل سعر قطعتين من الخبز الى 1000 جنيه، مشيرا الى ان ما يحدث هو انفلات في الأسعار، مضيفا بأن الخبز سلعة محررة فيما مضى وليس لها علاقة بزيادة أو نقص الدولار، لافتا الى ان ما يحدث الان هو نتاج للانهيار الاقتصادي وارتفاع سعر الدولار، مما انعكس على القطاع، واردف أن الزيادة في الدقيق حدثت في خلال يومين فقط من 77 الى 108 الاف جنيه للجوال سعة 25 كيلو بمعنى ان الزيادة في 25 كيلو قد تخطت 31 الف وقفي سعر الخميرة من 150 الى 200 الف جنيه. وسعر الزيت من 130 وصل إلى230 الف جنيه، مشيرا الى انهم اضطروا الى تقليص حجم الخبز كي يغطي المنصرفات.
تراجع صفوف الخبز
لا وجود لصفوف الخبز، فقد تراجعت الأسر عن شراءه بعد أن عجزت عن الحصول على ثلاث ارغفة بألف جنيه، أسرة تتكون من 6 أفراد تحتاج في اليوم الى خبز بمبلغ ثمانية او عشرة الاف جنيه في اليوم وقد لا تكفي، فكان المهرب الى الوجبات البلدية المحلية مثل (الكسرة، القراصة، العصيدة) وهي أيضا ليست في متناول اليد فارتفاع الأسعار طوق جميع السلع اذ وصل سعر ربع القمح الى 24 الف جنيه وربع الدخن 40 الف جنيه كيلو الدقيق 5000 جنيه لمن استطاع اليه سبيلا.
المواطنة زينب ادم قالت انها تشتري في اليوم خبز بسعر 6000 جنيه ولا يكفي، مشيره الى أن اتفاع اسعار الخبز انعكست سلبا على الأسر ذات الدخل المحدود وناشدت الحكومة بالتدخل لتوفير الخبز باسعار مناسبة، كما عبرت عن أملها بأن يصبح عدد 7 ارغفة بسعر 1000 جنيه غير ذلك لا تستطيع الأسر أن تحصل على الخبز يوميا خاصة وان معظم الاسر عادت من النزوح دون مصدر دخل. ولا وجود للمساعدات الانسانية.
بشير علي من سنار قال إن منطقة جبل موية تواجه الإهمال وعدم الرقابة، ووصل سعر 3 ارغفة الى ألف جنيه، إضافة الى قلة الوزن، واردف “تعاني المنطقة من عدم اهتمام سواء من الحكومة أو منظمات المجتمع المدني”، متهما الجهات المختصة بالفشل في توفير الدقيق وقال “هل يعقل منطقة كاملة نصيبها 40 جوال دقيق فقط ووصل سعر جوال الذرة 140 الف”. مشيرا الى ان المواطن غلبان وفقد كل شيء والان يعاني من ارتفاع الأسعار خاصة الخبز، واوضح أنه يحاول سد ثغرات المعاناة تلك بالعمل في الزراعة والبناء الا ان كل ذلك لا يغطي تكاليف الأسرة خاصة بعد أن أثرت الحرب في كل شيء من بينها الموسم الزراعي.
أين الإغاثة؟
وفي معرض استطلاعنا تسائل عدد من المواطنين عن الإغاثة وعن الدقيق تحديدا، وذكر عدد منهم بان عدد من المنظمات كانت قد أعلنت عن وصول مساعدات انسانية لمناطق سيطرة الجيش والدعم السريع الا انهم لم يحصلوا عليها لأكثر من ثلاث سنوات. مشيرين الى أن احتكار الدقيق والاغاثة يعد حربا موازية وهو امر أخطر من السلاح، وناشدوا الجهات المختصة بأن تسمح بدخول المساعدات لكافة الولايات لان هناك مناطق تعيش معاناة حقيقية وصل حال الناس فيها الى الموت جوعا.
الصحفي المهتم بالشان الاقتصادي حاتم درديري قال ان ارتفاع الأسعار في السودان مرتبط بأزمة الهيكلة الاقتصادية في السودان منذ العام 2011م، بسبب خروج ثلثي صادراته من النفط مما خلق ندرة في العملات الأجنبية الامر الذي القى بظلاله على اسعار سعر الصر.
واضاف انه بجانب الأزمات الجيوسياسية في العالم، مثال للحرب الروسية الاوكرانية، ومضيق هرمز قد نشهد أزمة في مضيق باب المندب خلال الفترة القادمة كل ذلك يؤثر على اسعار الشحنات البحرية وتكاليف الشحن والتأمين بالنسبة للشحن البحري.
وعاد وقال: ولكن في الأساس ارتفاع الأسعار ليس سعر الخبز وحده يعود في الأساس الى أزمة الاقتصاد السوداني وهي أزمة هيكلية وفشلت كل الحكومات في حلها ولعل العامل الأساس هو يرتبط بسعر الصرف، بجانب ضعف الصادرات والآثار الكارثية بسبب الحرب على الاقتصاد السوداني، وخروج المصانع والادي العاملة والمؤسسات والشركات التجارية التي خلقت أزمة وتراجع الأداء الضريبي.
ولفت الى ان هذه الأزمة في الوقت الراهن ترتبط بالأساس بما يسمى بسياسة التحرير الاقتصادي وترك السوق ليسعر المنتجات كما يريد، وترك السوق كي يستورد ويصدر كما يشاء بعيدا عن أنظار الدولة، واضاف “في السنين السابقة الدولة لم تتدخل في الأسعار طالما سياسة التحرير الاقتصادي منذ العام 1989م وحتى اليوم لم يتم الغائها بعد الثورة في العام 2019م، وواصلت حتى الفترة الانتقالية برأسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وكذلك فترة رئيس الوزراء كامل إدريس ووزير المالية جبريل ابراهيم في الضغط على المواطن.
واستدرك بقوله: “مالم يتم الغاء هذه السياسة وعودة الدولة للتدخل في الاقتصاد في ظل الظروف الحالية وتجريد القطاع الخاص من الاستيراد والتصدير والأسباب في ظل الدولة، وهذا لا يعني اننا نقصد بأن نلغى القطاع الخاص من العمل ولكن لا ينبغي ترك الاقتصاد برمته للافراد والقطاع الخاص وشبكات الفساد وشبكات السماسرة، ينبغي على الدولة أن تنشأ نافذة محددة للتصدير عن طريق البنوك حتى تضمن حاصل الصادر عن طريق البنوك السودانية، وكذلك على الدولة تحريك آلية التسعير مما يتماشى مع الظروف الحالية”.
وأكد درديري على أهمية ان تعمل الدولة على إعادة بناء الاقتصاد من القطاع الإنتاجي الذي تضرر بسبب الحرب الكارثية التي إصابة السودان، لأن اسعار الخبز هي ليست الأساس وانما عرض بسبب الازمة الاقتصادية التي كانت موجودة اصلا وتفاقمت اكتر بعد الحرب، فيبقى عليه مطالبة الدولة بأن تتدخل لتخفيف سعر الخبز أو كل الأسعار وهي تنتهج سياسة التحرير الاقتصادي هي عملية ضرب من الخيال وغير واقعي لأن سياسة التحرير الاقتصادي تمنع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والنشاط التجاري.
تنبأت بتفاقم الازمة
المهتمون بالشأن الاقتصادي واقتصاد الحرب يرون بأن تكاليف الحرب تنعكس على قوت المواطن. وكلما انحسرت قنوات الدخل وانعدام الإنتاج وفرص العمل كلما وجد المواطن نفسه محاصرا ويدفع فواتير حرب ليس له فيها يد، إضافة الى أنه كلما تأخر وقف الحرب كلما اتسعت رقاع الجوع حتى في تلك المدن التي تتوفر فيها السلع، والدليل على ذلك هو أن التكايا والمطابخ الخيرية ما زالت تعمل لتتكفل بما عجزت عنه الحكومة.
مداميك