السلاح الكيميائي.. حين يصبح المواطن السوداني هو الهدف

 

بقلم – سامي عبدالوهاب مكي

 

بعد أن ثبتت هذه القضية بالأدلة القاطعة، وظهرت فيديوهات وتسجيلات، وأُجريت فحوصات للتربة، لم يعد هناك مجال للإنكار أو التعامل معها باعتبارها مجرد خبر عابر في صفحات الصحف، أو مادة جديدة للصراع السياسي بين أطراف الحرب.

 

هذه قضية يجب أن ينظر إليها كل مواطن سوداني باعتباره المستهدف المباشر والأخير.

 

لأن السلاح الكيميائي ليس مثل الرصاصة التي تنتهي مهمتها بانتهاء إطلاقها، ولا مثل القذيفة التي ينتهي أثرها بانتهاء انفجارها.

 

إنه سلاح قد يبقى بعد أن يغادر الجنود مواقعهم، وبعد أن تتوقف المدافع، وبعد أن تعلن الحرب نهايتها.

 

يبقى في الأرض التي نمشي عليها.

 

وفي الهواء الذي نستنشقه.

 

وفي الماء الذي نشربه.

 

وفي الطعام الذي نزرعه ونأكله.

 

وفي أجساد أطفال لم يولدوا بعد.

 

ليست قضية عسكرية.. إنها قضية حياة

 

حين تستخدم المواد الكيميائية السامة كسلاح، فإن الخطر لا يقتصر على المقاتل الموجود في موقع الاستهداف.

 

القرية كلها تصبح معرضة للخطر.

 

المدينة تصبح معرضة للخطر.

 

المزارع، ومصادر المياه، والآبار، والمنازل، وحتى التربة التي يفترض أن تكون مصدر الحياة، يمكن أن تتحول إلى مصادر محتملة للتلوث.

 

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسأله السوداني اليوم ليس:

 

من انتصر في هذه المعركة؟

 

بل:

 

ماذا تركت هذه الحرب لنا ولأطفالنا؟

 

أي سودان سنعود إليه بعد أن تتوقف الحرب؟

 

وأي أرض سنزرع؟

 

وأي ماء سنشرب؟

 

وأي هواء سيتنفسه أطفالنا؟

 

أخطر ما في السلاح الكيميائي أنه لا يعرف نهاية الحرب

 

الحروب التقليدية تقتل الناس وتدمر المباني، وهي جريمة كافية بكل المقاييس.

 

لكن التلوث الكيميائي يحمل معه احتمالاً آخر أكثر رعباً وهو أن تستمر الحرب داخل أجساد الناس حتى بعد انتهاء القتال.

 

التعرض لبعض المواد الكيميائية السامة قد يؤدي، بحسب طبيعة المادة ودرجة التعرض، إلى أمراض في الجهاز التنفسي والجلد والعينين والجهاز العصبي، وقد ترتبط بعض المواد المسرطنة بمخاطر صحية طويلة المدى.

 

والخطر الأكبر أن بعض الآثار البيئية والصحية لا تظهر بالضرورة فوراً.

 

قد تظهر بعد سنوات.

 

وقد تكتشف الأجيال القادمة أن الأرض التي ورثتها كانت تحمل في داخلها آثار حرب لم تخترها.

 

أن يصبح السرطان جزءاً من إرث الحرب.

 

أن تصبح الأمراض المزمنة جزءاً من حياة مجتمع كامل.

 

أن تتحول مناطق السكن والزراعة إلى بيئات تحتاج إلى سنوات طويلة من الفحص والمعالجة والتطهير قبل أن تصبح آمنة بصورة مؤكدة.

 

لا أحد يستطيع أن يبرر هذه الجريمة

 

مهما كانت طبيعة الحرب.

 

ومهما كان العدو.

 

ومهما كانت الذرائع العسكرية.

 

فإن استخدام الأسلحة الكيميائية لا يمكن أن يكون عملاً عادياً من أعمال الحرب.

 

إنه تجاوز لكل الخطوط الإنسانية والقانونية والأخلاقية.

 

والأخطر من الاستخدام نفسه هو محاولة التعامل معه بعقلية الانتماء السياسي.

 

أن يسأل البعض:

 

من المتهم؟

 

ومن المستفيد من الاتهام؟

 

ومن يقف مع هذا الطرف أو ذاك؟

 

هذه الأسئلة السياسية قد تكون مهمة في التحقيق، لكنها لا يجب أن تحجب السؤال الأساسي:

 

هل تم تعريض السودانيين وبيئتهم لمواد كيميائية سامة؟

 

إذا كانت الإجابة نعم، فإن القضية لا تخص الجيش وحده ولا الدعم السريع وحده ولا القوى السياسية.

 

إنها تخص كل سوداني.

 

لأن المواطن لا يحمل جهازاً لتنقية الهواء عندما تلوث السموم الجو.

 

ولا يستطيع أن يميز بعينه المياه الملوثة.

 

ولا يستطيع الفلاح أن يعرف دائماً ما إذا كانت أرضه قد أصبحت حاملة لمواد خطرة.

 

الأدلة تستوجب تحقيقاً لا دعاية

 

إن الأدلة القاطعة التي ظهرت، بما فيها الفيديوهات والتسجيلات ونتائج فحوصات التربة، تفرض ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف وذي مصداقية دولية.

 

ليس تحقيقاً حكومياً ينتهي بتبرئة الحكومة لنفسها.

 

ولا لجنة سياسية مهمتها تبادل الاتهامات.

 

بل تحقيقاً علمياً مستقلاً.

 

تحقيقاً يأخذ عينات من التربة.

 

ومن المياه.

 

ومن المناطق التي يشتبه في استخدامها أو تخزين المواد فيها.

 

ويفحص آثار التلوث على السكان.

 

ويحدد المواد المستخدمة إن وجدت.

 

ويكشف المسؤولين عنها.

 

ويضع خطة عاجلة لمعالجة المناطق المتضررة.

 

فالحقيقة العلمية وحدها هي التي يمكن أن تحمي الناس.

 

أما الإنكار فلن ينظف نهراً.

 

ولن يعالج طفلاً.

 

ولن يزيل مادة سامة من أرض زراعية.

 

الصمت جريمة أخرى

 

أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تمر هذه القضية كما مرت عشرات الجرائم السابقة.

 

ضجة إعلامية.

 

إنكار رسمي.

 

تبادل للاتهامات.

 

ثم صمت.

 

السودان لا يحتاج إلى مزيد من المقابر الجماعية المؤجلة.

 

ولا يحتاج إلى حرب تترك وراءها جيلاً جديداً من المرضى.

 

ولا يحتاج إلى أن تتحول أرضه، التي أنهكتها الحروب والجفاف والنزوح، إلى مختبر مفتوح لأسلحة محرمة دولياً.

 

إن أي جهة استخدمت أو أمرت أو ساعدت في استخدام مواد كيميائية ضد السودانيين يجب أن تخضع للمساءلة الكاملة.

 

ليس انتقاماً.

 

بل حماية للمستقبل.

 

هذه المرة المواطن هو المستهدف

 

يجب أن يفهم السوداني أن هذه القضية ليست بعيدة عنه.

 

إذا كنت تعيش بالقرب من منطقة حرب، فأنت معني.

 

إذا كنت تشرب من مياه مصدرها مناطق متأثرة بالقتال، فأنت معني.

 

إذا كنت تأكل من منتجات زراعية جاءت من مناطق يحتمل تلوثها، فأنت معني.

 

إذا كنت أباً أو أماً تخاف على صحة أطفالك، فأنت معني.

 

السلاح الكيميائي لا يسأل عن انتمائك السياسي قبل أن يؤذيك.

 

لا يفرق بين مؤيد ومعارض.

 

ولا بين مدني وعسكري بعد أن ينتشر في البيئة.

 

السم لا يعرف الهوية السياسية.

 

والسرطان لا يسأل الضحية عن موقفه من الحرب.

 

المطلوب الآن

 

المطلوب ليس المزيد من البيانات السياسية.

 

المطلوب:

 

تحقيق دولي مستقل وشفاف في استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.

 

تمكين الجهات الفنية المختصة من الوصول إلى المواقع المتضررة والمشتبه بها.

 

إجراء فحوصات علمية للتربة والمياه والهواء.

 

إعلان نتائج التحقيق للرأي العام السوداني دون إخفاء أو تلاعب.

 

إنشاء سجل صحي وبيئي للمناطق المحتمل تعرضها للتلوث.

 

تقديم الرعاية الطبية للمتضررين.

 

وضع خطة طويلة الأجل لمعالجة التلوث المثبت.

 

محاسبة كل من أمر أو نفذ أو تستر على استخدام هذه الأسلحة.

 

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب.

 

قتل.

 

ونزوح.

 

وجوع.

 

وفقدان للمنازل.

 

وانهيار للخدمات.

 

ولا يجوز أن نكتشف بعد سنوات أن الحرب لم تكتفِ بقتل حاضرنا، بل وضعت السم في مستقبل أطفالنا أيضاً.

 

الحرب جريمة حين تستهدف الإنسان.

 

لكنها تصبح أكثر بشاعة حين تستهدف الإنسان والأرض والماء والهواء والأجيال التي لم تولد بعد.

 

ولهذا يجب ألا نتعامل مع قضية الأسلحة الكيميائية باعتبارها مجرد ورقة في الصراع السياسي.

 

لقد ثبتت هذه القضية بالأدلة القاطعة، وظهرت فيديوهات وتسجيلات، وأكدت فحوصات التربة خطورة ما حدث، ولم يعد هناك مجال للإنكار.

 

إنها قضية حياة أو موت لملايين السودانيين.

 

والسؤال الذي يجب أن نرفعه اليوم ليس:

 

من سيكسب الحرب؟

 

بل:

 

هل سيبقى للسودانيين وطن آمن يعيشون فيه بعد أن تنتهي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.