الحارث ومالكوم.. أكاذيب بلا حدود
عمر الصاوي
فئتان من العبيد؛ تعمل الأولى بالحقول تحت أشعة الشمس الحارقة وتتعرض للضرب والإذلال، فيما تعمل الثانية داخل القصور والمنازل الكبيرة في الطبخ، والتنظيف، ورعاية الأطفال. ترتدي الثانية ملابس أفضل نسبيًا، ويأكلون من بقايا طعام السادة، ويسكنون في غرف ملحقة بالمنزل الرئيسي.
وما بين فتات الطعام وبقايا الملابس، تتجسّر علاقة محبة دونية من العبد تجاه سيده؛ حيث وصف مالكوم إكس “عبد المنزل” بأنه شخص طوّر ارتباطًا وجاهيًا ونفسيًا بسيده، لكنه يعيش في قلق مستمر خوفًا من غضب سيده ومن ثم طرده إلى الحقل؛ ولذلك كان أشد حرصًا على حماية مصالح السيد، وغالبًا ما كان أول من يقف ضد أي ثورة أو تمرد يهدد امتيازاته الصغيرة.
والمندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، نموذج ناصع لـ “خيابة” عبد المنزل، الذي خالطت نفسه شواغل السادة، فظل يتبنى خطابات مفارقة للوقائع والحقائق، بل هي للحماقات أقرب.
ظل الحارث يحرث في بحر من الأكاذيب؛ جلسة تلو جلسة، ومحفل إثر محفل. لم يترك بلادًا شقيقة أو جارة إلا واتهمها بالتآمر، ولم يفوّت جريمة ارتكبها أسياده من قادة الجيش أو قادة الحركة الإسلامية الإرهابية —لا فرق بينهما— إلا حاول سترها بأغطية الأوهام.
ودون أدنى ذرة من الحياء، مارس الحارث إدريس تدليساً وأطلق كذبة بلهاء يدحضها التاريخ الماثل، حين أنكرت نفسه الرمداء انقلاب البرهان على الحكومة المدنية الانتقالية، الذي شهدت به العالمين، ومهرته دماء الشهداء الذين تدافعوا لحظة الانقلاب للدفاع عن المدنية، فحصدهم رصاص الجيش الذي لا يخطئ صدور المواطنين.
عبثًا حاول الحارث تجميل وجه البرهان الأقبح، وصوّره ملاكًا ملأ فراغ الحكومة الانتقالية بعد استقالتها. ولو كان الحارث يمتلك ممحاة لذاكرة الشعب، لمسح عنها فض اعتصام القيادة العامة، ومقتل المتظاهرين في الشوارع، والانقلاب، ومن ثم الحرب العبثية وغيرها من جرائم الكيزان والبرهان.
إن كان الحارث يصدّق ما يهرف به، فهو مصاب بالـ “مُيومانيا” (Mythomania)، وهي كذب اكتنازي متخيّل يغرق بموجبه صاحبه في نسج وحبك الأكاذيب وجعلها مركزًا لحياته، وإلا فالحارث عبد منزل أغراه الفتات، فكذّب وتولى عن قومه.