حين يصبح بناء الدولة مسؤولية مجتمع

حين يصبح بناء الدولة مسؤولية مجتمع

 

بقلم: الزين عبد العزيز يونس

 

في اللحظات التي تمر فيها الدول بتحولات عميقة، يصبح الحديث عن بناء الدولة أكبر من الحديث عن الحكومات. فالحكومة قد تتغير، والهياكل قد يعاد تشكيلها، لكن السؤال الذي يبقى هو: كيف نبني دولة تستطيع أن تستمر؟

 

السودان اليوم أمام واحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث. حرب أنهكت الإنسان والمكان، ومجتمع تضررت علاقاته، ومؤسسات تحتاج إلى استعادة قدرتها على العمل. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن نتحدث عن وقف الحرب أو تشكيل مؤسسات جديدة؛ فهناك مهمة أكثر عمقًا تتمثل في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

 

هذه العلاقة لا تُبنى بالخطابات.

 

المواطن يريد أن يرى أثر الدولة في حياته: إدارة تعمل، خدمة تصل، قانون يطبق، ومسؤول يسمع.

 

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى مواطن يرى أن المحافظة على المرفق العام، واحترام القانون، والمشاركة في حل مشكلات المجتمع، ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما جزء من واجبه الوطني.

 

من هنا تبدأ فكرة الوعي المجتمعي.

 

والوعي ليس أن يتفق الناس جميعًا في السياسة، فهذا غير ممكن ولا مطلوب. الوعي هو أن نختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن نتمسك بانتماءاتنا الاجتماعية دون أن نجعلها فوق المواطنة، وأن ننتقد مؤسسات الدولة دون أن نهدم فكرة الدولة نفسها.

 

لقد أظهرت سنوات الحرب أن الانقسام الاجتماعي يمكن أن يكون أخطر من الخلاف السياسي، وأن إعادة بناء الثقة بين الناس قد تحتاج إلى جهد طويل يتجاوز قدرة المؤسسات الرسمية وحدها.

 

وهنا يأتي دور المجتمع.

 

فالزعماء الأهليون، والشباب، والنساء، والمثقفون، ورجال الأعمال، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، جميعهم قادرون على الإسهام في صناعة مرحلة أكثر استقرارًا.

 

لكن المشاركة المجتمعية لا تعني أن يحل المجتمع محل الدولة، كما لا تعني أن تنسحب الدولة من مسؤولياتها.

 

المطلوب هو علاقة أكثر توازنًا: دولة تقوم بواجبها، ومجتمع يشارك في بنائها.

 

ولعل أول ما تحتاجه هذه العلاقة هو إصلاح الإدارة.

 

فالدولة القوية ليست فقط صاحبة القوانين والمؤسسات، وإنما الدولة التي تعرف ملفاتها، وتحدد مسؤولياتها، وتحاسب على التقصير، وتتابع تنفيذ قراراتها، وتحافظ على مواردها ومعلوماتها.

 

قد تبدو هذه أمورًا إدارية صغيرة، لكنها في الحقيقة أساس كبير من أسس الدولة الحديثة.

 

فالقرار الذي لا يُتابع يبقى ورقة، والمشروع الذي لا توجد له مسؤولية واضحة يصبح عبئًا، والموارد التي لا تخضع للرقابة تتحول إلى مصدر للصراع.

 

ولهذا فإن مرحلة إعادة بناء السودان تحتاج إلى ثقافة إنجاز بدل ثقافة الاكتفاء بالإعلان.

 

أن نسأل بعد كل قرار: ماذا تحقق؟

 

وبعد كل مشروع: ماذا استفاد المواطن؟

 

وبعد كل عام: ماذا تغير؟

 

هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا في طريقة إدارة الدولة.

 

أما الشباب، فهم ربما أهم استثمار يمكن أن يبدأ به السودان مرحلة جديدة. فبدل أن يكونوا مجرد جمهور للخطابات السياسية، ينبغي أن يكونوا جزءًا من العمل والإنتاج والإدارة والمبادرات المجتمعية.

 

الدولة التي تمنح شبابها فرصة للعمل والمشاركة، تمنح نفسها فرصة للاستقرار.

 

وفي النهاية، لا يمكن بناء السودان من الخرطوم وحدها، ولا من عواصم الأقاليم وحدها. بناء الدولة يبدأ من كل مكان: من القرية التي تحتاج إلى مدرسة، ومن المدينة التي تحتاج إلى سوق منظم، ومن المزارع الذي يبحث عن طريق، ومن الشاب الذي يبحث عن فرصة، ومن الموظف الذي يريد أن يؤدي عمله في مؤسسة تحترم النظام.

 

لهذا فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست فقط معركة على السلطة.

 

إنها معركة من أجل استعادة معنى الدولة.

 

دولة لا يخاف منها المواطن ولا يستغني عنها، وإنما يثق بها لأنها تقوم بواجبها.

 

ومجتمع لا ينتظر كل شيء من الحكومة، ولا يتخلى عن مسؤوليته تجاه وطنه.

 

قد تكون الطريق طويلة، وقد تختلف القوى السياسية حول شكل المستقبل، لكن هناك مساحة يمكن أن نتفق عليها جميعًا:

 

أن السودان يستحق دولة أقوى من خلافات أبنائه، ومجتمعًا أكبر من جراحه، ومستقبلًا لا تحدده الحرب وحدها.

 

وهنا يبدأ التأسيس الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.