شباب الحركة الإسلامية السودانية في تركيا يقودون انقسامًا ضد القيادات التاريخية
د. عبدالمنعم همت
إما استجابة جذرية لصوت التجديد الشبابي وتفكيك أدوات الهيمنة العتيقة، وإما الانكفاء نحو التشظي والاضمحلال البطيء في أتون صراعات النفوذ والمال.
تخوض الحركة الإسلامية السودانية اليوم واحدة من أقسى محطات وجودها وأكثرها تعقيدًا منذ نشأتها، متجاوزة أزمة انشطار عام 1999 لتستقر في مربعات تشظٍ بنيوي واسع أفرزته تداعيات حرب أبريل.
وفي ظل هذا المخاض الوجودي، تبرز تركيا كمركز ثقل إقليمي استثنائي ومرتكز استراتيجي متقدم لإدارة العمليات السياسية والأمنية والإعلامية العابرة للحدود لصالح الحركة الإسلامية السودانية، بعيدًا عن دائرة الاستهداف المباشر في مسرح العمليات الداخلي.
يكشف تحليل هذه البيئة الحاضنة عن استقرار نواة مقيمة قوامها 470 كادرًا فاعلًا ونشطًا يتولون إدارة مفاصل التخطيط الاستراتيجي وشبكات الاتصال، منهم 127 عنصرًا نسويًا يدعمن منظومة الإسناد المدني وقنوات التمويل البديل للالتفاف على العقوبات الدولية، فضلًا عن 40 كادرًا طلابيًا يمثلون خلايا صناعة الرأي العام والاشتباك الرقمي.
وقد شهد هذا المركز حراكًا تنظيميًا وتوافدًا قياديًا مكثفًا لشخصيات محورية، على رأسهم المهندس أبو بكر محمد الصافي (شبو) رئيس تجمع السودانيين بالخارج، إلى جانب القيادي الشبابي أويس غانم. وتوج ذلك بتحركات نوعية تمثلت في عودة أبو بكر شبو إلى الداخل السوداني في زيارة عمل ومباحثات مكثفة لنقل قراءة واعتراضات الجيل الجديد مباشرة إلى القيادة العليا ومؤسسات الدولة.
غير أن هذا الحراك يصطدم بصراع عنيف على النفوذ والقرار داخل قمة الهرم بين قطبين رئيسيين؛ الأول يمثله تيار الأمن والاستخبارات بقيادة الفريق أمن محمد عطا، الممسك بخيوط التنسيق الخفي وترتيبات الإقليم، والثاني يمثله تيار العصبة المالية والاقتصادية بقيادة أحمد الشايقي، المسيطر على الثقل المالي الصلب ومحافظ الأموال والمؤسسات التاريخية.
هذا التنازع أفرز حالة من شلل القرار وغياب المرجعية التنظيمية والفكرية، مما عمّق حالة الاحتقان والتمرد الصريح من القواعد والكوادر الوسطى على إرث الحرس القديم الذي يُحمّل مسؤولية إقعاد الحركة وإيصالها إلى هذا المنعطف. وقد انعكس هذا التشرذم ميدانيًا في ازدواجية واجهات حزب المؤتمر الوطني المنقسمة إلى تنظيمين رئيسيين يتنازعان شرعية الإرث، إلى جانب تناسل عشرات الواجهات والكتائب الإسلامية الفرعية التي تعمل بلا ضابط هيكلي.
وأمام هذا التآكل البنيوي، انخرطت القيادات الشابة والكوادر في نقاشات عميقة استهدفت طرح حزمة من المعالجات الإستراتيجية الجذرية، تصدرتها محاولات توحيد الحركة وترميم الهياكل المتصدعة، بالتوازي مع طرح مشروع الإحلال الجيلي القاضي بالتنحي الفوري للقيادات التاريخية لرفع حرج الذرائع السياسية عن التيار.
وفي مسار ذي صلة بالعمليات الميدانية، ناقشت الأطر التنظيمية معضلة تدريب الكوادر العسكرية ومصادر تمويل الكتائب، وخلصت إلى إحداث انعطافة تكتيكية تقضي بأن تتحول هذه الكتائب ظاهريًا إلى العمل المدني والخدمي تفاديًا للعقوبات الدولية وملاحقة شبكات الدعم، مع محو اسمها تمامًا من الخطاب الإعلامي والظهور بمسميات مدنية جديدة تدير العمل الأمني والعسكري سرًا في الخلفية. يتكامل ذلك مع استراتيجية مستحدثة لتنشيط الإعلام الخارجي وتفكيك الخطاب التعبوي القديم لصالح شبكات عنقودية ومنصات بديلة.
ولا تقف التعقيدات عند حدود البيت الداخلي، بل تمتد لتشمل معضلة الخريطة العسكرية والتحالفات الإستراتيجية، وتحديدًا الموقف من القوات المشتركة لحركات دارفور المتحالفة مع الجيش. وهنا تتبنى الكوادر الشبابية مقاربة قائمة على الازدواجية البراغماتية؛ فالتحالف الحالي يمثل ضرورة قتالية ملحة لصد الخصم المشترك وحماية الوسط والشمال، غير أن القناعة الإستراتيجية راسخة بأن هذه الحركات تمثل المهدد الوجودي الأكبر لمستقبل الحركة وشكل الدولة السودانية لاحقًا، مما يفرض تعاملاً تكتيكيًا مؤقتًا واستعدادًا مبكرًا لسيناريوهات الصدام. إن الحركة الإسلامية اليوم تقف على حافة مفترق طرق حاسم؛ فإما استجابة جذرية لصوت التجديد الشبابي وتفكيك أدوات الهيمنة العتيقة، وإما الانكفاء نحو التشظي والاضمحلال البطيء في أتون صراعات النفوذ والمال.
العرب