العدالة الانتقالية «1-5»: المفهوم والنشأة… ولماذا تحتاجها الدول بعد الثورات والحروب؟
العدالة الانتقالية «1-5»: المفهوم والنشأة… ولماذا تحتاجها الدول بعد الثورات والحروب؟
ميرغني الحبر/ المحامي
لم يعد الحديث عن العدالة الانتقالية في السودان ترفًا فكريًا أو نقاشًا قانونيًا يقتصر على المختصين، بل أصبح ضرورة وطنية فرضتها عقود طويلة من الاستبداد، والحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتفتح نافذة أمل نحو بناء دولة ديمقراطية يسودها القانون، غير أن تعثر الفترة الانتقالية، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعادا السودان إلى دائرة العنف والانقسام، وخلّفا واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث.
وفي خضم هذه المأساة يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة خرجت من ثورة، ثم مزقتها الحرب، أن تستعيد وحدتها، وتبني مؤسساتها، وتحقق السلام الدائم؟ وهل يكفي وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي لإغلاق صفحة الماضي، أم أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتراف بالحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات التي ساهمت في إنتاج الاستبداد والعنف؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى مفهوم العدالة الانتقالية، وهو من أكثر المفاهيم القانونية والسياسية تعرضًا لسوء الفهم. فالبعض يختزلها في المحاكمات الجنائية، بينما يراها آخرون وسيلة للانتقام من الخصوم السياسيين، في حين يعتقد فريق ثالث أنها تعني العفو الشامل ونسيان الماضي.
والحقيقة أن العدالة الانتقالية أوسع بكثير من كل ذلك؛ فهي ليست انتقامًا، وليست تسوية سياسية، وليست مجرد إجراءات قضائية، وإنما هي عملية وطنية شاملة تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ووضع أسس تمنع تكرار المآسي.
وقد ظهر مفهوم العدالة الانتقالية بصورته الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، مع انتقال عدد من الدول من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية، أو خروجها من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة. ووجدت تلك الدول نفسها أمام معضلة معقدة: كيف يمكن تحقيق العدالة دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار عملية الانتقال السياسي؟ وكيف يمكن تحقيق المصالحة دون التضحية بحقوق الضحايا؟ ومن هنا بدأ البحث عن وسائل تحقق التوازن بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار.
ورغم أن المصطلح حديث نسبيًا، فإن فكرته ليست جديدة. فمنذ القدم أدركت المجتمعات أن تجاوز الحروب والصراعات لا يتحقق بمجرد إسكات السلاح، وإنما يحتاج إلى معالجة آثارها الاجتماعية والقانونية والسياسية. غير أن التجارب الحديثة طورت هذه الفكرة، وحولتها إلى منظومة متكاملة تضم إجراءات قضائية وغير قضائية، تشارك فيها الدولة والمجتمع معًا.
ولهذا تعرف الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تعتمدها المجتمعات لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما يشمل المحاكمات، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار. ويكشف هذا التعريف أن العدالة الانتقالية لا تنظر إلى الماضي وحده، وإنما تهدف أيضًا إلى حماية المستقبل من إعادة إنتاج أسباب الصراع.
ومن هنا يبرز الفرق الجوهري بين العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية التقليدية. فالعدالة الجنائية تبحث في مسؤولية شخص عن جريمة محددة، وتحاكمه وفق القانون الجنائي، بينما تنظر العدالة الانتقالية إلى الصورة الكاملة؛ فهي تسعى إلى فهم السياق الذي وقعت فيه الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بها، وإنصاف الضحايا، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة. ولهذا فإن المحاكمات، على أهميتها، ليست سوى إحدى أدوات العدالة الانتقالية، وليست كل العدالة.
كما تختلف العدالة الانتقالية عن فكرة الانتقام السياسي. فالانتقام يقوم على تصفية الخصوم وإقصائهم، أما العدالة الانتقالية فتقوم على سيادة القانون، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، وعدم تحميل المسؤولية لجماعات بأكملها بسبب انتمائها السياسي أو العسكري أو القبلي، وإنما مساءلة كل شخص عن أفعاله الفردية وفق القانون.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن تجاهل الماضي لا يؤدي إلى نسيانه، بل إلى عودته بصورة أكثر عنفًا. فالمجتمعات التي دفنت جراحها دون علاج عادت إليها الصراعات في صور جديدة، بينما استطاعت دول أخرى أن تؤسس لاستقرار طويل لأنها واجهت ماضيها بشجاعة، وكشفت الحقيقة، وأنصفت الضحايا، وأصلحت مؤسساتها، دون أن تجعل العدالة وسيلة للانتقام.
وفي الحالة السودانية تبدو الحاجة إلى العدالة الانتقالية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالبلاد لم تعرف انتقالًا ديمقراطيًا مستقراً منذ الاستقلال، بل تعاقبت عليها الانقلابات، والحروب، والانتهاكات، وظلت كثير من الجرائم بلا مساءلة حقيقية. ثم جاءت الثورة مطالبة بالحرية والسلام والعدالة، لكن تعثر الانتقال حال دون بناء منظومة عدالة انتقالية متكاملة، قبل أن تضيف الحرب الأخيرة ملفات جديدة أكثر تعقيدًا وأوسع نطاقًا.
غير أن نجاح أي مشروع للعدالة الانتقالية في السودان لن يكون رهينًا باستنساخ تجارب الآخرين، وإنما بقدرته على استيعاب خصوصية المجتمع السوداني، وتنوعه الثقافي والإثني، وتعقيداته السياسية، وإرثه الطويل من النزاعات. فالعدالة التي تصلح لدولة قد لا تصلح لدولة أخرى، والمهم ليس تقليد النماذج، بل فهم المبادئ التي قامت عليها، ثم تكييفها بما يخدم الواقع الوطني.
وفي المقال القادم سنتناول آليات العدالة الانتقالية، وكيف استخدمت الدول المختلفة المحاكمات، ولجان الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية، لتحقيق انتقال ناجح، ولماذا نجحت بعض هذه الآليات في أماكن، بينما أخفقت في اماكن أخرى.