من تحالف السلاح إلى صراع النفوذ.. تصدعات تضرب معسكر البرهان

 

تصدعات متفاقمة داخل معسكر الجيش السوداني، تبرز مع تنامي نفوذ جماعة الإخوان وتكاثر الفصائل المسلحة والتيارات المتنافسة، والتي باتت تهاجم قيادة الجيش علنا.

وفي هذا الإطار وجّه المصباح أبو زيد طلحة، قائد لواء «البراء بن مالك»، المصنفة إرهابية، والمتحالفة مع الجيش السوداني انتقادات علنية حادة إلى قيادة الجيش في السودان، بقيادة عبد الفتاح البرهان.

هجوم على قيادات الجيش 

وأكد أن قيادة الجيش (البرهان) تتبع سياسات بأنها تكرّس اختلالات إدارية وسياسية، وأن قادة المجلس العسكري دأبوا على خلق «توازن مصطنع» بهدف الحفاظ على السلطة.

وأضاف أن هذه الممارسة تؤدي إلى فرض حالة من التكافؤ بين الجماعات السياسية، بصرف النظر عن حجم نفوذها الفعلي لدى الجمهور، أو قدراتها، أو ما حققته من إنجازات.

وأشار قائد «البراء بن مالك» إلى أن تشكيل كيانات سياسية مصطنعة يؤدي إلى تشويه التمثيل الحقيقي، مشددا على أن قمع مبدأ الجدارة يؤدي بصورة مباشرة إلى انتشار الإحباط الإداري، فضلًا عن تأخير اتخاذ القرارات العاجلة.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت يبرز فيه نفوذ «البراء بن مالك» داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، وسط وقائع أثارت تساؤلات بشأن حدود قدرة القيادة العسكرية على ضبط التشكيلات المسلحة الحليفة لها.

تصدعات حقيقية في معسكر البرهان

وفي قراءة لهذه التصريحات اعتبر المحلل السياسي وعضو تحالف «صمود» ماهر أبو جوخ، أن أحد مصادر التصدع داخل معسكر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في ظل اختلاف دوافع وأهداف الفصائل وتنافسها على النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري.

وفي قلب هذه التركيبة، يبرز نفوذ جماعة الإخوان وتشكيلاتها المسلحة، وعلى رأسها «البراء بن مالك»، بعلاقات وصفها أبوجوخ بأنها «عضوية» مع قيادات بارزة في الجيش والأجهزة الأمنية.

وقال أبو جوخ، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن اعتماد الجيش السوداني على المجموعات والمليشيات المسلحة يمثل أحد المظاهر المرتبطة بـ«التمكين» الذي مارسته جماعة الإخوان منذ وصولها إلى السلطة في 30 يونيو/حزيران 1989، معتبرًا أن هذا المسار أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، وعلى رأسها الجيش.

وأضاف أن جماعة الإخوان «تعمدت إضعاف مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية»، مشيرًا إلى أن إضعاف الجيش تم، من بين أمور أخرى، عبر إنشاء مليشيات ومجموعات قتالية خارج إطار الدولة الرسمي.

إرث طويل من المليشيات

وأوضح أبو جوخ أن هذه السياسة بدأت بما كان يعرف بـ«الدفاع الشعبي»، ثم ظهرت أشكال أخرى من التشكيلات، من بينها قوات المراحيل، والقوات المسماة الظاعنة، ثم مليشيات الجنجويد التي تطورت إلى حرس الحدود، ثم قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات، وصولًا إلى قوات الدعم السريع.

وأضاف أنه بعد اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، استمرت السياسة ذاتها في «تفريخ المليشيات»، ومن أبرزها القوات المشتركة و«درع السودان» التي توسعت، حتى أشارت تقديرات إلى أن عدد المليشيات الحالية التي تقاتل في السودان متحالفة مع الجيش تجاوز 40 مجموعة مسلحة، بخلاف المجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان.

وأشار إلى أن أبرز هذه التشكيلات «مليشيا البراء»، إلى جانب مليشيات أخرى أقل ظهورًا مثل «البنيان المرصوص» و«الفرقان» و«القعقاع» وغيرها من المجموعات ذات الصلة بالإخوان، فضلًا عن مقاتلين ارتبطوا بجماعات متطرفة مثل تنظيمَي القاعدة وداعش، بحسب وصفه.

وربط عضو تحالف «صمود» هذا المسار بما وصفه بأنه «منهج وحصيلة إضعاف الجيش بسبب تمكين سلطة الإخوان 30 عامًا»، معتبرًا أن الجيش يعتمد حاليًا على هذه المليشيات في إدارة معاركه والقتال فيها، وأن ذلك يعبر عن حالة الضعف التي أصابته بسبب سياسة تمكين الإخوان التي تعمدت، بشكل منهجي، إضعاف الجيش وخلق مليشيات مسلحة موازية له.

وأضاف: «الجيش يريد أن يقاتل بهذه المليشيات لتعويض الضعف الذي يصيبه، لكنه لا يريد أن يقر بوجود هذا الضعف، وبالتالي يهرب من هذا الأمر بإيكال أمر الحرب إلى مجموعات غير مرتبطة بالجيش».

تفريخ المليشيات يعمق أزمة الجيش

وأشار أبوجوخ إلى أن المتوقع كان تصحيح هذا الوضع عبر استيعاب المجموعات المقاتلة باعتبارها جزءًا من مؤسسة الجيش، وليس بوصفها مليشيات مستقلة عنه، لكن «الذهنية الإخوانية حتى اللحظة ترى أنه يجب أن يتم الحفاظ على جيش ضعيف يقاتل بالمليشيات ويعتمد عليها».

واعتبر أن ذلك أدى إلى استمرار «تفريخ وإنتاج مليشيات، وليس إنتاج مجموعات قتالية تابعة للجيش ضمن تشكيلاته أو ضمن القوات الاحتياطية».

ويرى أبوجوخ أن استمرار هذا النهج يضع الجيش أمام تركيبة شديدة التعقيد، إذ بات يعتمد في الحرب على تشكيلات متعددة لا تنطلق بالضرورة من أهداف واحدة، ولا ترتبط جميعها بالبنية العسكرية الرسمية، بينما تحتفظ كل مجموعة بمصالحها وطموحاتها ومصادر قوتها.

الإخوان عادوا إلى السلطة بصورة أقوى

وفي تقييمه لمستوى نفوذ جماعة الإخوان، رفض أبو جوخ حصر الخطر في احتمال سيطرة الجماعة مستقبلًا، معتبرًا أنها «فعليًا سيطرت على البلاد منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021».

وفرّق بين غيابها عن المستوى القيادي المباشر في السلطة القومية والاتحادية، ممثلًا في مجلس السيادة، مع وجود رمزي في مجلس الوزراء بصورة مباشرة من خلال عناصر الإخوان المعروفين، ممثلين في وزيري الخارجية والعدل في حكومة كامل إدريس، أو من خلال مجموعات ذات ارتباط تاريخي بحركة الإخوان، على رأسها وزير المالية جبريل إبراهيم وقيادات بارزة في حركة العدل والمساواة ممن ينتمون تاريخيًا إلى التيار الإخواني منذ سنوات دراستهم الجامعية.

وأشار أبو جوخ إلى سيطرة الإخوان المباشرة على مستويات أخرى، أبرزها المستوى القيادي الوسيط في الوزارات والمصالح الحكومية، إلى جانب المؤسسات العسكرية والأمنية والمحكمة الدستورية والقضاء والنيابة العامة، فضلًا عن هيمنتهم على المستوى الولائي والمحلي والنقابات التي أعادت عناصر الإخوان، وفق تعبيره، كما كانوا قبل إسقاط نظامهم.

وأوضح: «عاد تمكين الإخوان مجددًا».

ووفقًا لأبو جوخ، فإن الجماعة «مسيطرة بالفعل»، وأن الخطر الرئيسي، من وجهة نظره، يرتبط بطبيعة توجهاتها.

ووصف توجهات الجماعة بأنها «إرهابية»، مستشهدًا بإعادة العلاقات مع إيران واستخدام السلاح الكيميائي، بحسب تعبيره.

وحذر من أن «الخطورة الفعلية هي إعادة إنتاج تجربة نظام الإخوان ونظام البشير الإرهابية ومخاطرها الإقليمية والدولية»، موضحًا أن هذه التجربة قادت السودان إلى مواجهة مع المجتمعين الإقليمي والدولي، وإلى عقوبات لم تنتهِ إلا بعد إسقاط نظام البشير، لكنها عادت مجددًا بشكل آخر جراء عودة الإخوان وسيطرتهم.

واستدل على ذلك بعودة العقوبات منذ مايو/أيار 2025، والتي قال إنها «طالت حتى قائد الجيش».

وأكد على أن «هذا هو الخطر الكبير»، وليس مجرد تفجر الصراعات أو وجود نفوذ للإخوان، مضيفًا: «هم الآن عادوا إلى السلطة بشكل أقوى مما كانوا عليه في الماضي».

الحرب تطيل عمر التناقضات داخل معسكر البرهان

أما بشأن مستقبل العلاقة بين التشكيلات المختلفة داخل معسكر البرهان، فتوقع أبوجوخ أن يؤدي استمرار الحرب إلى زيادة التناقضات، وقال: «كلما زادت الحرب وتمددت، زادت التناقضات».

ولفت إلى أن هذه التناقضات تظهر داخل معسكر قائد الجيش، وأنها ستصبح أكثر وضوحًا كلما تطورت الحرب وتقدمت، لأن المجموعات والمليشيات المختلفة «قد تبدو على موقف واحد، لكنها في الحقيقة تعبر عن تطلعات وتوجهات وأطماع مختلفة».

واستطرد: «في مسألة الأطماع هذه هم متناقسون، فإذا جاء موعد اقتسام الغنيمة سيختلفون»، مشيرًا إلى وجود صراع على ما وصفه بـ«الغنيمة» التي تتنافس عليها هذه الأطراف.

وفي المقابل، رأى أن أيًا من هذه الأطراف لا يريد دمج مؤسساته داخل مؤسسة عسكرية واحدة، سواء كانت القوات المشتركة، أو مليشيات الإخوان، أو «درع السودان»، أو أي مجموعات أخرى جرى إنتاجها كمليشيات.

وبيّن أن «وجودها السياسي ووجودها في مركز السلطة ووجودها الاقتصادي والمالي يعتمد فعليًا على قوتها وبندقيتها»، معتبرًا أن هذا سيكون «أكبر معيق لمسألة تكوين مؤسسة عسكرية واحدة».

وأضاف أن هذه التشكيلات تسعى إلى تحقيق «أهدافها وتطلعاتها وطموحاتها وأطماع زعاماتها بقوة البندقية التي تمتلكها»، الأمر الذي سيعرقل الوصول إلى مؤسسة عسكرية واحدة.

تعدد الفصائل يهدد وحدة المؤسسة العسكرية

ولفت أبوجوخ إلى عامل آخر يعرقل بناء مؤسسة عسكرية موحدة، يتمثل في مصلحة الجيش والمجموعات المتحالفة معه في إبقاء هذه التشكيلات «متنافرة ومتعددة»، بما يسمح باستخدام بعضها ضد بعض.

ووصف ذلك بأنه «إحدى الاستراتيجيات التي يتم استخدامها بشكل مستمر»، معتبرًا أن هذه العوامل تمثل تحديات رئيسية أمام إنشاء مؤسسة واحدة.

وأوضح أن «التركيبة والأطماع وتطلعات القادة» ستؤدي إلى عدم رغبة الأطراف المختلفة في الوصول إلى مؤسسة عسكرية موحدة.

وبحسب رؤيته، فإن «الواقع يقول إن كل يوم يتم تفريخ وإنتاج مليشيات جديدة بأسماء وواجهات ومكونات اجتماعية مختلفة»، مرجعًا ذلك إلى أن «بالنسبة للبرهان وللجيش، هذا هو الطريق الأقصر والأسهل للحصول على السلطة والمال والنفوذ والفاعلية».

خلافات مكتومة على النفوذ والمكاسب

وعن طبيعة الخلافات بين التشكيلات المتحالفة مع الجيش، أكد أبوجوخ أن التباين بينها «موجود، لكنه لم يخرج إلى العلن».

وتطرق إلى سعي بعض الأطراف للحصول على النصيب الأكبر من المكاسب السياسية، مشيرًا إلى أن هناك حديثًا عن ضرورة الاعتراف بدور مجموعات أخرى شاركت بصورة كبيرة في القتال.

وفي هذا السياق، رأى أن جماعة الإخوان تريد الرد على حديث البرهان بشأن عدم مشاركتها في الحوار السياسي، وقال: «الإخوان وغيرهم يريدون أن يقولوا له: نحن قاتلنا، وبالتالي لا يمكن أن يتم إبعادنا».

ويرى أبوجوخ أن هذه الخلافات لا تعكس بالضرورة قطيعة بين جميع مكونات المعسكر، بقدر ما تكشف عن منافسة متصاعدة على ما يمكن أن تحصده الأطراف المختلفة من مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية بعد الحرب.

«البراء».. علاقة عضوية مع قيادات الجيش

وبخصوص تحدي مجموعة «البراء بن مالك» لقرارات السلطات المحلية، استبعد أبوجوخ وصف الواقعة بأنها «تحدٍ» بالمعنى الكامل، مؤكدًا أن علاقة «البراء» بالقيادات العسكرية تختلف عن علاقة الجيش ببقية التشكيلات.

وأوضح: «مجموعة البراء تختلف عن بقية المجموعات؛ لديها ارتباط عضوي»، معتبرًا أن وصف «البراء» ومجموعات الإخوان بأنها مجموعات منفردة وغير ذات صلة عضوية ومباشرة بقيادات رفيعة في الجيش، رغم وجود تنسيق عسكري وسياسي معها، هو «توصيف خاطئ».

وشدد على أن «العلاقة بين الطرفين علاقة عضوية»، موضحًا أن قيادات رفيعة ليست في الجيش فقط، وإنما في التشكيلات الأمنية الأخرى، مرتبطة بتنظيم الإخوان، ولذلك، وفق تقديره، «لا يوجد تحدٍ، ولكن يوجد تقسيم أدوار».

وأضاف أن ما يحدث، في تقديره، هو «تقسيم أدوار بين الاثنين»، وليس تحديًا حقيقيًا، مع وجود تطلعات لدى بعض قادة هذه المجموعات العسكرية الإخوانية للحصول على نتائج وامتيازات أكبر، سياسية أو اقتصادية أو غيرها.

ورأى أن ذلك «يفيد قيادة الجيش المتماهية مع الإخوان المرتبطين بها»، إذ يمكن الاستناد إلى مشاركة هذه المجموعات في القتال للمطالبة بمنحها امتيازات، بينما تظهر احتجاجاتها باعتبارها مطالبة بهذه الامتيازات.

وقال: «أنا أنظر إلى هذا الأمر باعتباره تقسيم أدوار أكثر منه صراعًا حقيقيًا بين طرفين، لأن العلاقة العضوية تجمع بين الطرفين».

التصدعات داخل معسكر البرهان «حقيقية»

وفي تقييمه للتصدعات داخل معسكر البرهان، أكد أبوجوخ أنها «حقيقية»، موضحًا أن المؤسسات والتشكيلات الموجودة تقاتل في معركة واحدة، لكن «دوافع وأهداف كل مليشيا من المليشيات تختلف عن الأخرى».

وشدد على أن الأمر لا يتعلق بمجرد اكتشاف تصدعات جديدة، وقال: «التصدعات موجودة»، موضحًا أن المخاوف الرئيسية تتمثل في احتمال أن تقود التباينات بين المجموعات المختلفة إلى صراع داخل المجموعات المتحالفة مع البرهان نفسها.

وأشار إلى أن «كل مجموعة لديها أهداف وأطماع مختلفة ومتقاطعة»، معتبرًا أن التصدعات «موجودة وقائمة، لكن الواقع كان يخفيها».

ومع تصاعد التنافس ورغبة كل طرف في الاستحواذ على «نصيب أكبر وحصة أكبر»، أصبحت هذه التناقضات، وفق أبوجوخ، أكثر وضوحًا.

وأكد أن التصدعات «موجودة وقائمة منذ البداية، لكنها لم تظهر بشكل كامل».

الإخوان.. الحلقة الأكثر تعقيدًا

وفي ما يتعلق بالفارق بين «البراء بن مالك» والمجموعات الأخرى، شدد أبوجوخ على أن المجموعات المرتبطة بـ«البراء» والإخوان «لديها وضع مختلف عن بقية المليشيات الأخرى».

وبيّن أن هذه المجموعات «ذات ارتباط عضوي بقيادات بارزة في الجيش»، وبالتالي فهي، بحسب وصفه، «ليست رديفة أو متحالفة، وإنما ذات علاقة عضوية جزئية، وهي لا تعبر عن مراكز صنع القرار العسكري، لكن القيادة العسكرية تعبر عن توجهات تلك المجموعات الإخوانية».

وأشار إلى أن هذا الارتباط يخلق تعقيدًا أكبر، بسبب وجود «رابط أيديولوجي» بين هذه المجموعات ومستويات عليا في قيادة جيش البرهان.

وأوضح أن ما يعيق السيطرة على هذه التشكيلات «ليس شكل العلاقة الرأسية، ولكن العلاقة العضوية والأيديولوجية بين قيادات الجيش والأجهزة الأمنية وبين هذه المجموعات المرتبطة بالإخوان».

ووصف هذه العلاقة بأنها «أكثر تعقيدًا من بقية المجموعات الأخرى»، موضحًا أن التشكيلات الأخرى تقاتل في إطار سياسي، ولا يجمعها «إطار أيديولوجي» مع قيادات الجيش.

أما المجموعات المرتبطة بالإخوان، فأكد أنها تتميز بوجود «طبيعة أيديولوجية وعضوية» للعلاقة بينها وبين قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، إلى جانب مواقع ومراكز تمكين وسيطرة الإخوان بمختلف مسميات تلك التشكيلات الإخوانية العسكرية، سواء كانت «البراء» أو غيرها.

صلات إقليمية ودولية وتسليح متفاوت

وخلص أبوجوخ إلى أن الفارق الأساسي في حالة مجموعات الإخوان العسكرية وغيرها من المليشيات يتمثل في «الطبيعة الأيديولوجية والعضوية» للعلاقة التي تربطها بمستويات في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، فضلًا عن صلاتها بمجموعات إقليمية ودولية، على رأسها جماعة الحوثي وتنظيم داعش والحرس الثوري الإيراني وبوكو حرام وجماعة السيليكا في أفريقيا الوسطى، وغيرها من المجموعات المتطرفة، بحسب تعبيره.

وقال إن هذه الصلات انعكست، بحسب تقديره، على تسليح وإمكانيات مليشيات الإخوان، التي «احتكرت استخدام أسلحة لم تتوفر لبقية المليشيات، وفي أحيان لم تكن متوفرة أو متاحة للجيش نفسه».

وبذلك، يرى أبوجوخ أن الأزمة داخل معسكر البرهان لا تقتصر على تعدد القوى التي تقاتل إلى جانب الجيش، وإنما تمتد إلى اختلاف مصالحها وتطلعاتها، وتنافسها على النفوذ، ورفضها الاندماج في مؤسسة عسكرية واحدة، فضلًا عن الطبيعة الخاصة للعلاقة بين جماعة الإخوان وتشكيلاتها المسلحة وبين مستويات من القيادة العسكرية والأمنية، وهو ما يجعل مسألة توحيد القوة المسلحة أكثر تعقيدًا في ظل استمرار الحرب.

عملية متفق عليها

من جانبه، اعتبر المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن التصريحات التي صدرت عن «البراء بن مالك» والتي اتهمت قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، جاءت ضمن عملية متفق عليها بين الطرفين، معتبرًا أن «البراء» والبرهان ينتميان، إلى جماعة الإخوان، وأنهما يمثلان جناحين داخل الجماعة.

وأوضح عثمان أن البرهان يمثل «جناح الإخوان في الجيش» بوصفه ضابطًا، بينما يمثل «البراء» جناحًا مساندًا للجيش، مشيرًا إلى أن هذه التشكيلات تشبه تقسيمات سابقة، من بينها الدفاع الشعبي، وقوات حرس الحدود، وجهاز الأمن والمخابرات، وقوة الاحتياط المركزي، معتبرًا أنها جميعًا كانت، بحسب وصفه، تشكيلات تابعة للمنظومة العسكرية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وأضاف أن البرهان «يحرك أجنحته من مثل البراء وغيرهما عندما يحتاج إليهم في أزمان متعددة ومختلفة»، موضحًا أنه عندما تكون لديه خلافات مع الحركات المسلحة، فإنه يحرك «البراء» عبر تصريحات، أو يخلق صراعات عسكرية داخل أم درمان والخرطوم، بما يسمح له باتخاذ قرارات لاحقة.

وضرب عثمان مثالًا على ذلك بقوله إن الهدف قد يكون إخراج بعض الحركات من أم درمان، من خلال خلق صراعات بينها وبين «درع السودان»، الذي وصفه بأنه جناح آخر من الإخوان، أو مع «كتائب البراء»، ثم الاستناد إلى هذه الصراعات لاتخاذ قرار بإخراج الطرفين من أم درمان أو من العاصمة.

وأشار إلى أن البرهان يواجه حاليًا خلافات مع الحركات المسلحة المتحالفة معه، ومن بينها حركات مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، بعد انضمام النور القبة وموسى هلال وغيرهما، معتبرًا أن هناك تناقضًا بين توجهات هذه الحركات والمجموعات من جهة، وبين جماعات الإخوان المسلحة، مثل «البراء» و«درع السودان»، من جهة أخرى.

وقال إن هذه الخلافات، من وجهة نظره، تدفع البرهان إلى الاستفادة من تصريحات «البراء» باعتبارها سببًا أو دليلًا على وجود خلافات وتباينات داخل المعسكر، بما يسمح له باتخاذ قرارات لمعالجة هذه الخلافات وفق ما يراه مناسبًا.

واستشهد عثمان بما وصفه بإقالة وزير الأوقاف في حكومة كامل إدريس، معتبرًا أن الخطوة تعكس طبيعة الخلافات داخل المعسكر، وقال إن كامل إدريس، رئيس الوزراء، يمثل هو الآخر، بحسب وصفه، جناحًا آخر من أجنحة الإخوان ، وإن إقالة وزير تابع لحركة مني أركو مناوي جاءت، في تقديره، في سياق هذا التباين.

وأضاف أن تصريحات «البراء» الحالية تمثل، من وجهة نظره، جزءًا من هذا الصراع، أو جزءًا من الآلية التي يستخدمها البرهان للضغط على الحركات المسلحة، وكذلك لتبرير وتمرير أي قرار يريد اتخاذه.

صراع محتمل بين الفصائل المتحالفة مع البرهان

وحذر عثمان من احتمال نشوب صراع بين هذه التشكيلات في المستقبل، معتبرًا أن استمرار الحرب أو حتى انتهاؤها لن يعني بالضرورة انتهاء التباينات بينها.

وقال إن «هذه الأجسام لا تمضي في تناغم»، مشيرًا إلى أن كل طرف من الأطراف المتحالفة مع البرهان لديه حساباته وتوجهاته الخاصة.

وأضاف أن استمرار الحرب سيبقي احتمالات الصراع داخل المليشيات المتحالفة مع البرهان قائمة، كما أن وقف الحرب لن يلغي، في تقديره، هذه التناقضات، مؤكدًا أن «في الحالتين سيكون هناك صراع داخل المليشيات المتحالفة مع البرهان».

وحذر من أن هذا الصراع المحتمل «مهدد لأمن السودان بشكل عام».

صراع ظاهري أم ترتيب داخل المعسكر؟

وأكد عثمان أن تصريحاته بشأن «البراء» لا ينبغي فهمها باعتبارها موقفًا ضد البرهان بمعزل عن الطريقة التي يرى أنها تدار بها الخلافات داخل معسكر الجيش.

وقال إن تصريحات «البراء» تأتي، في تقديره، ضمن «خطة الجيش» التي تقوم على أن يخرج أحد الأطراف للتصريح بموقف معين، بما يوفر مبررًا لاتخاذ قرار لاحق، مضيفًا أن هذا الأمر «يتكرر في كل مرة».

واعتبر أن تصريحات «البراء» لا تمثل، وفق قراءته، خلافًا منفصلًا عن قيادة الجيش، وإنما تأتي في إطار آلية تستخدمها القيادة للتعامل مع الخلافات بين مكونات المعسكر، والضغط على بعض الحركات، وتهيئة المبررات لاتخاذ قرارات تتعلق بوجودها ودورها داخل العاصمة ومناطق سيطرة الجيش.

العين الاخبارية

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.