تفويض البرهان … تفويض لإنقاذ السلطة أم لإحياء المشروع القديم؟
بقلم: صفاء الزين
جاء الحديث عن تفويض الفريق أول عبد الفتاح البرهان في لحظة سياسية تتشابك فيها حسابات البقاء مع رهانات القوى التي فقدت نفوذها عقب سقوط نظام الثلاثين من يونيو. ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي بعيدًا عن الجدل الشكلي حول الجهة التي تمنح التفويض أو تتلقاه: من المستفيد من هذه الحملة؟ وما المشروع الذي يسعى إلى استعادة موقعه من تحت أنقاض نظام فقد شرعيته السياسية والأخلاقية؟
مثّل سقوط نظام الحركة الإسلامية انهيارًا للبنية السياسية التي أدارت الدولة السودانية لعقود، ونسجت شبكات نفوذها داخل المؤسسات العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والإدارية. ومع اندلاع الحرب، رأت القوى المرتبطة بذلك الإرث في المعركة فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، بعد أن انحسرت أمامها فرص العودة عبر صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني.
ويبدو أن تفويض البرهان، محاولة لإعادة إنتاج السلطة تحت عنوان جديد، فالوجوه تتبدل، بينما تستمر أدوات الحكم، وآليات السيطرة، ومراكز النفوذ، والعقلية التي أدارت البلاد لعقود، لتعود إلى الواجهة من خلف القيادة العسكرية، وكأن الحرب أصبحت الجسر الذي يعبر عليه المشروع القديم نحو السلطة.
وتكمن المفارقة في أن هذا التفويض يضيّق خيارات البرهان السياسية بدل توسيعها، فمع تعمق الحرب، وتعقد ملفات الانتهاكات، وتصاعد الكلفة الإنسانية والسياسية داخليًا وخارجيًا، يزداد ارتباط بقاء السلطة باستمرار المعركة، ويصبح أي انتقال سياسي جاد مدخلًا إلى فتح ملفات المساءلة والمحاسبة.
وبهذا يتحول التفويض إلى علاقة تبادل مصالح بين سلطة تبحث عن البقاء بأي ثمن، وقوى فقدت شرعيتها الشعبية وتسعى إلى حماية نفسها من استحقاقات العدالة، ويغدو التمسك بالسلطة وسيلة لحراسة إرث سياسي يرفض الاعتراف بانتهاء مرحلته، ويبحث عن فرصة جديدة لاستعادة نفوذه عبر ظروف الحرب والانقسام.
واختزال الأزمة السودانية في الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع يحجب حقيقة أشد تعقيدًا، فقد خرج الدعم السريع من سياسات الدولة ذاتها، ومن بنية سلطة اعتمدت على التشكيلات المسلحة والأدوات الموازية لإدارة الحروب والأقاليم، وزوال الدعم السريع، متى تحقق، يترك السؤال الأكبر قائمًا: من صنع البيئة التي أنتجته؟ ومن وفر له الشرعية والسلاح والموارد؟ ومن استفاد من وجوده طوال تلك السنوات؟
فاختفاء أي قوة مسلحة يزيل أحد مظاهر الأزمة، بينما تبقى الأسباب التي صنعتها فاعلة داخل الدولة والمجتمع. وإذا اكتفى السودانيون بإغلاق الصفحة من دون تفكيك البنية السياسية التي أنشأتها، فسوف تعود الكارثة بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، لأن جوهر الأزمة يتصل بمنهج إدارة الدولة وتوزيع السلطة والسلاح والموارد.
والمؤسف أن ملايين السودانيين الذين دفعوا ثمن هذه الحرب تحولوا إلى أرقام داخل تقارير المنظمات الدولية. وصار النازحون واللاجئون مادة للإحصاءات أكثر من حضورهم أصحاب قضية سياسية تستحق العدالة والإنصاف. تختفي صورهم من نشرات الأخبار، فتتراجع المأساة في ذاكرة العالم، بينما تواصل القوى التي صنعتها تنازعها على السلطة والنفوذ.
أما الحديث عن عودة الحركة الإسلامية بصيغتها القديمة، فيتجاهل حقيقة أن المجتمع السوداني شهد تحولات عميقة. وحتى داخل التيار الإسلامي نفسه برزت انقسامات واسعة حول التجربة الماضية ومسؤولياتها ونتائجها. ولهذا يفتقر الرهان على إعادة النموذج القديم إلى شروطه السياسية والاجتماعية، ويعتمد بدرجة أساسية على السلاح، وشبكات النفوذ، والسيطرة على مؤسسات الدولة.
ومن الصعب قراءة حملة التفويض منفصلة عن المسار السياسي الذي سبق الحرب، فالقوى التي تتصدر هذه التعبئة اليوم هي ذاتها التي استخدمها البرهان وقادت، وشاركت بفاعلية، في الحشد لاعتصام القصر الجمهوري قبيل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، وقدمت يومها غطاءً سياسيًا لتحول أنهى مسار الانتقال المدني، وفتح الطريق أمام عودة مراكز النفوذ القديمة إلى مؤسسات الدولة. وقد عُرفت تلك القوى في الوعي السياسي السوداني بسدنة الانقلاب، نتيجة دورها في تهيئة المناخ السياسي والإعلامي لذلك التحول.
وتعود الوجوه ذاتها اليوم مستخدمة من قبل البرهان مرة أخرى، ويعود الخطاب نفسه تحت عنوان مغاير، فبعد شعارات «تصحيح المسار»، يجري الترويج للتفويض مدخلًا جديدًا لتركيز السلطة في يد القيادة العسكرية، وتكشف هذه الاستمرارية أن المشروع حافظ على جوهره، وأعاد ترتيب أدواته وفق مقتضيات المرحلة، مستفيدًا من التحولات التي فرضتها الحرب، ومن حالة الاستقطاب التي أضعفت المجال العام، وأعادت تقديم السلطة العسكرية باعتبارها المخرج الوحيد، في وقت تتراجع فيه فرص التوافق الوطني وتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
وتحمل هذه الحملة دلالة سياسية خطرة، لأنها تنقل السلطة من المجال الدستوري والمؤسسي إلى مجال التعبئة والولاء الشخصي، فالتفويض الشعبي الحقيقي يحتاج إلى انتخابات حرة، ومؤسسات مستقلة، وإرادة مواطنين تُعبّر عن نفسها عبر إجراءات معلومة وشفافة، أما التفويض الصادر من شبكات المال والأعمال والجريمة المرتبطة بسلطة الحرب ومراكز النفوذ القديمة، فيقدم غطاءً سياسيًا محدودًا، ويحاول تصويره باعتباره إرادة وطنية شاملة.
وهنا تمثل حملات التفويض أحد مظاهر الأزمة البنيوية التي لازمت الدولة السودانية منذ الاستقلال، إذ يجري استبدال شرعية المؤسسات بشرعية التعبئة، والعقد الاجتماعي بعلاقات الولاء، والمشاركة الوطنية بالتفويض المفتوح. وبهذه الآلية تدخل الدولة في دورة متكررة تبدأ بحشد سياسي، ثم تتركز السلطة داخل دائرة ضيقة، وتتآكل المؤسسات، وتتفاقم الأزمات، قبل أن يعود المشهد إلى نقطة البداية بأسماء وشعارات جديدة.
ويحتاج كسر هذه الحلقة إلى نقل مركز الشرعية من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن التعبئة المؤقتة إلى التوافق الدستوري، ومن إدارة الأزمات إلى بناء دولة تستمد قوتها من القانون، وتوازن السلطات، والرقابة، والمساءلة، والاحتكام إلى الإرادة الحرة للمواطنين.
والسودان يحتاج إلى تفويض للدولة لا تقويضها، تفويض يؤسس لمؤسسات فاعلة، وسيادة قانون، واحتكار وطني للسلاح، ومساءلة عادلة، وتداول سلمي للسلطة، أما منح الأشخاص صلاحيات مفتوحة في زمن الحرب، فيطيل عمر الأزمة، ويؤجل استحقاقات السلام، ويعيد إنتاج التجارب التي دفعت البلاد إلى هذا الانهيار.
ويثبت التاريخ السوداني أن كل سلطة احتمت بالقوة انتهت إلى مزيد من الانقسام، وأن كل مشروع احتكر الدولة أنتج دورة جديدة من العنف، فالشرعية تُبنى بإرادة المواطنين، وبسلامة المؤسسات، وبالقدرة على حماية المجتمع، وتوفير الأمن، وصون الحقوق، وإدارة التنوع الوطني بعدالة.
لقد اختار البرهان منذ اندلاع الحرب أن يجعل الخيار العسكري متقدمًا على المسار السياسي، وأن يربط مستقبل الدولة بمستقبل المعركة. غير أن استمرار القتال أفضى إلى انهيار اقتصادي أوسع، ونزوح ولجو بالملايين، وتفكك مؤسسي، وعزلة وضغوط دولية متزايدة، وأي تفويض يصدر في ظل هذا الواقع يعجز عن تغيير حصيلة السياسات التي قادت السودان إلى هذه الكارثة، أو منحها شرعية جديدة، لأن الشرعية تُقاس بقدرة القيادة على حماية المواطنين، وصون وحدة البلاد، وفتح الطريق أمام السلام.
ختاما: إن حملة تفويض البرهان تكشف صراعًا يتجاوز شخص القائد إلى مستقبل المشروع القديم كله. فالقوى التي أسهمت في تقويض الانتقال المدني خلال أكتوبر 2021 تحاول اليوم استخدام الحرب لإعادة تأسيس سلطة أكثر تركيزًا وأقل خضوعًا للمساءلة، مستندة إلى خطاب تعبوي يضع بقاءها في موقع المصلحة الوطنية. والمواجهة الحقيقية مع هذا المسار تبدأ بكشف امتداده التاريخي، واستعادة سلطة الشعب، وبناء شرعية تنبع من مؤسسات دستورية منتخبة، وعقد سياسي جامع، وقضاء مستقل، وجيش مهني واحد، ودولة مدنية تسترد قرارها من شبكات السلاح والتنظيم والمال.
والسؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سواه هو: هل يريد السودانيون إنقاذ سلطة أنهكتها الحرب، أم تأسيس دولة تحميهم من تكرار الحرب؟ فالفرق بين الطريقين يرسم مستقبل البلاد لعقود، ويحدد ما إذا كان السودان سيتحرر من دورات الانقلاب والتفويض والحكم العسكري، أو يواصل الدوران داخل الحلقة ذاتها تحت أسماء جديدة.