الحرب وإعادة تشكيل الشخصية السودانية.. من الجرح الجمعي إلى الشرعية الوظيفية التصاعدية
د. علي عبدالله الخليفة طه
مدخل: الحرب كصدمة تأسيسية لا كحدث عابر
حين تطول الحرب وتتوغل في نسيج المجتمع، فإنها لا تُبقي شيئًا كما كان. إنها لا تدمّر البنية التحتية والمؤسسات فحسب، بل تعيد تشكيل الذات الجماعية ذاتها: طريقة إدراك الآخر، حدود الثقة، معنى الانتماء، وحتى المفردات التي يفكر بها الناس في أنفسهم وفي وطنهم. ما يواجه السودان اليوم ليس فقط مهمة إعادة إعمار مادي، بل مهمة أعمق وأشد تعقيدًا: إعادة تشكيل شخصية جماعية أصابها الجرح في عمقها. وأي مشروع سياسي يتعامل مع هذا الجرح كتفصيل هامشي، أو يكتفي بتشخيصه دون آليات مؤسسية لمعالجته، سيظل أسير الدائرة التي أنتجت الحرب أصلًا.
أولًا: تشخيص الأثر ، الظواهر السالبة في البنية النفسية-الاجتماعية
١. تطبيع العنف وتبلّد الحس الجمعي
حين يصبح العنف مشهدًا يوميًا مألوفًا، يفقد قدرته على الصدم. وهذا التبلّد ليس ضعفًا أخلاقيًا فرديًا، بل آلية دفاع نفسي جماعي تتحول مع الزمن إلى معيار اجتماعي جديد، تُبنى عليه أشكال سلوك وخطاب تُستنكر في زمن السلم وتُستساغ في زمن الحرب، ثم يصعب التخلص منها حتى بعد توقف القتال.
٢. تفتت الهوية الوطنية لصالح هويات أضيق
حين ينهار الشعور بالحماية الجماعية على المستوى الوطني، يلجأ الناس بشكل طبيعي إلى دوائر انتماء أضيق ، قبلية أو جهوية أو عرقية ، بوصفها شبكة أمان بديلة. هذا الانكماش الهوياتي ليس ردة إلى الماضي بقدر ما هو استجابة عقلانية لغياب الدولة كضامن. لكن خطورته أنه يعمّق الانقسام الذي كان أحد أسباب الحرب، ويجعل أي خطاب وطني جامع يبدو مفارقًا للواقع المعيش.
٣. انهيار الثقة المؤسسية والبينية
الثقة هي أول ضحايا الحرب الأهلية تحديدًا لأن العنف فيها يأتي من الجار قبل الغريب. حين ينكسر هذا الافتراض الأساسي، أن من حولي لن يؤذيني ، فإن إعادة بنائه تتطلب زمنًا أطول بكثير من إعادة بناء جسر أو مستشفى، وتتطلب آليات مقصودة، لا مجرد مرور الوقت.
٤. اقتصاد الحرب وتطبيع الفساد
حين تصبح شبكات التهريب والابتزاز والاقتصاد الموازي هي مصدر البقاء الوحيد لفئات واسعة، فإن الفساد يتحول من انحراف إلى منطق نظام حياة. وهذا يخلق طبقة من المستفيدين الذين لهم مصلحة موضوعية في إطالة حالة اللادولة، وهو ما يجعل أي عملية سلام تفاوضية عرضة للاختطاف من قبل اقتصاد الحرب ذاته.
٥. خطاب الكراهية الرقمي وتوثيق مشوّه للذاكرة الجمعية
انتقلت الحرب إلى الفضاء الرقمي بوصفها معركة سردية موازية، حيث تُستخدم المنصات لتعميق الانقسام بدل توثيق الحقيقة. والخطورة أن هذا الخطاب يشكّل الذاكرة الجمعية للأجيال الصاعدة قبل أن تتاح لها فرصة معرفة رواية متوازنة، مما يهدد بإعادة إنتاج الانقسام في جيل لم يشهد الحرب مباشرة.
٦. الصدمة العابرة للأجيال
الصدمة غير المعالجة لا تبقى حبيسة جيلها. تنتقل عبر أنماط التربية، والسرديات العائلية، والقلق المزمن، لتصبح جزءًا من التكوين النفسي لأطفال لم يعيشوا الحرب لكنهم ورثوا آثارها. وهذا ما يجعل السؤال عن المعالجة سؤالًا عن مستقبل عقود قادمة، لا عن مرحلة انتقالية عابرة.
ثانيًا: الأساس الفلسفي للمعالجة ، من منطق الاستحواذ إلى منطق الافتقار
لا يمكن لآلية مؤسسية أن تنجح في معالجة هذه الظواهر إن لم تستند إلى تحول أعمق في فهم العلاقة بين الذات والآخر. الحرب، في جوهرها، هي انتصار منطق الاستقلال المتوهم ، فكرة أن بإمكاني أن أضمن وجودي وأمني على حساب الآخر أو بمعزل عنه. والمعالجة الحقيقية تبدأ من نقض هذا الوهم.
هنا يصبح مفهوم الافتقار ، بما هو اعتراف بأن وجود الإنسان مشروط بوجود غيره، وأن لا أحد يكتمل أو يُشفى بمفرده ، أساسًا فلسفيًا صالحًا لإعادة البناء. وهو يلتقي مع ما ذهب إليه هايدغر في فكرة الوجود-مع (Mitsein) بوصف المشاركة بنيةً أصيلة للوجود الإنساني لا عارضًا طارئًا عليه، ومع مسؤولية الذات تجاه وجه الآخر عند ليفيناس، ومع فلسفة الأوبونتو الأفريقية القائلة إن الإنسان إنسان بالآخرين، ومع عمل إلينور أوستروم حول إدارة المشتركات بالتعاون لا بالهيمنة، ومع مطلب كريتشلي في ‘اللامتناهي المطالب’ بأخلاقية لا تكتفي بالحياد بل تُلزم الذات تجاه معاناة الآخر.
العدالة، من هذا المنظور، ليست عقابًا يُوازن الألم، بل استعادة للنسيج الذي مزّقه وهم الانفصال.
هذا التأصيل الفلسفي ليس ترفًا نظريًا؛ فهو الذي يمنح آليات العدالة الانتقالية والتمثيل السياسي معناها العميق، ويمنعها من أن تتحول إلى إجراءات شكلية مفرغة من روحها.
ثالثًا: آليات عملية للمعالجة على المدى الطويل
١. عدالة انتقالية ثلاثية الطبقات
لا تكفي آلية واحدة لمعالجة جرح بهذا الاتساع. الطبقة الأولى تكون في مجالس مصالحة محلية تعيد بناء الثقة على مستوى الجوار والمجتمع المباشر، حيث تحدث معظم جروح الحرب الأهلية فعليًا. الطبقة الثانية لجنة حقيقة وتعويض وطنية توثّق الرواية الجامعة وتقر بالمظالم بلا تسييس. أما الطبقة الثالثة فغرفة للجرائم الكبرى لا تقبل العفو عن الجرائم الجسيمة، لأن غياب المساءلة عن هذه الجرائم تحديدًا هو ما يديم دائرة الإفلات من العقاب التي غذّت الحروب المتعاقبة في تاريخ السودان الحديث.
٢. إحياء النفير كممارسة معيشة لا كشعار
النفير الوطني الكبير ليس آلية تعبئة سياسية فحسب، بل استعادة لتقليد سوداني أصيل في التكافل الجماعي زمن الأزمات. تفعيله في مرحلة ما بعد الحرب ، عبر مبادرات إعمار وإغاثة يشارك فيها أبناء المناطق المختلفة معًا ، يحوّل مفهوم الافتقار من فكرة فلسفية إلى تجربة معيشة يعاد فيها بناء الثقة بالفعل المشترك، لا بالخطاب.
٣. الركيزة الرابعة: تمثيل يمنع تكرار الإقصاء
جزء كبير من الظواهر السالبة أعلاه ، من تفتت الهوية إلى تطبيع خطاب الكراهية ، يجد جذره في شعور تراكمي بالإقصاء من مركز صناعة القرار. تمثيل إقليمي موزون يضمن لكل الأقاليم صوتًا فعليًا في الشرعية الوظيفية التصاعدية ليس مجرد ترتيب دستوري تقني، بل هو استجابة مباشرة لأحد أعمق أسباب الانكسار النفسي الجمعي.
٤. إصلاح تربوي وإعلامي طويل الأمد
لا يمكن كسر دائرة الصدمة العابرة للأجيال دون مراجعة جذرية للمناهج التي تُرسّخ سرديات إقصائية، ودون ميثاق إعلامي وطني يفرّق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. هذا عمل جيل كامل، لا يمكن اختزاله في حملة توعية عابرة، ويجب أن يبدأ فور توقف القتال لا بعد اكتمال الاستقرار السياسي.
خاتمة: نحو شرعية وظيفية تصاعدية
معالجة آثار الحرب على الشخصية السودانية ليست مرحلة تالية لبناء الدولة، بل هي شرط بنائها. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على مجتمع مثخن بجراح غير معالَجة، وسرعان ما تنهار أو تُخطف من جديد إن لم يُرافقها مسار موازٍ لإعادة بناء الثقة والهوية والمعنى المشترك. الانتقال من شرعية مفروضة بالقوة إلى شرعية وظيفية تصاعدية، تُبنى من القاعدة إلى القمة عبر تراكم الثقة الفعلية لا الخطاب، هو المسار الوحيد الذي يحوّل الجرح الجماعي من مصدر انقسام دائم إلى أساس لتضامن جديد، أكثر واقعية وأشد صلابة من أي وحدة قسرية سبقت الحرب.