الإنتربول لن يخفي الهزيمة … سلطة بورتسودان أمام امتحان الفشل السياسي والعسكري
بقلم: صفاء الزين
تكشف محاولة سلطة بورتسودان اللجوء إلى الإنتربول لملاحقة قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي»، عن مأزق سياسي وعسكري عميق تعيشه هذه السلطة، التي اختارت مواصلة الحرب رغم تعثرها في حسمها ميدانيًا، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تقدم هذه السلطة ما يؤكد قدرتها على إنهاء الصراع، أو حماية المدنيين، أو استعادة مؤسسات الدولة، فاتجهت من ميادين المواجهة إلى مسارات الملاحقات القانونية، بحثًا عن انتصار يعوض تعثرها على الأرض.
وعوضًا عن مواجهة الأسئلة المرتبطة بإدارة الحرب ونتائجها، تحاول سلطة بورتسودان تقديم الإجراءات القانونية باعتبارها إنجازًا سياسيًا، بينما تكشف الوقائع استمرار القتال، واتساع رقعة الكارثة الإنسانية، وتزايد أعداد الضحايا والنازحين، فالمذكرات والبلاغات، مهما بلغ حجمها، لا تبدل موازين القوى، ولا تعيد الأمن إلى المدن، ولا توقف نزيف المدنيين، الشيء الوحيد الذي نجحت في تأكيده أن حميدتي على قيد الحياة وأن كل أكاذيب الحرب ذهب أدراج الرياح.
كما أن أي تحرك دولي يهدف إلى ملاحقة شخص يفترض، من الناحية العملية، وجود ظروف تجعل تنفيذ تلك الإجراءات ممكنًا، أما إذا كان الشخص المعني يتحرك داخل نطاق جغرافي واسع، ويظهر حضوره في مدن إقليم دارفور، ومساراته، ومراحيله، ودُمُره، وقراه، وفُرقانه، وسط بيئة ميدانية تمنحه حرية الحركة، فإن السؤال يتجاوز إصدار المذكرات إلى مدى قدرتها على إحداث أثر عملي، فالعدالة الدولية تكتسب فاعليتها من قابليتها للتنفيذ، لا من القيمة الرمزية للقرارات وحدها، ولهذا فإن تحويل هذا المسار إلى أداة للدعاية السياسية قد يرفع سقف الخطاب الإعلامي، بينما يظل الواقع الميداني على حاله، ما دامت موازين السيطرة والتحرك لم تشهد تحولًا جوهريًا.
كما أن مطالبة قوات الدعم السريع بتسليم السلاح، من موقع لم يحقق تفوقًا عسكريًا حاسمًا، تعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، فالسلطة التي أخفقت في فرض شروطها داخل السودان، تحاول نقل الصراع إلى الساحة الإقليمية والدولية، وكأن المؤسسات الدولية قادرة على منحها ما تعذر تحقيقه في ميادين الحرب.
وتكمن الأزمة الأعمق في أن سلطة بورتسودان لا تواجه خصمًا عسكريًا فحسب، وإنما تواجه أزمة ثقة وشرعية نتجت عن عجزها عن تقديم رؤية توقف الحرب، وتؤسس لمسار سياسي يعيد بناء الدولة، ومع ذلك ما تزال تتمسك بخيار التصعيد، بينما يتحمل الشعب السوداني الكلفة الأكبر من الأرواح، والاقتصاد، والاستقرار، ومستقبل البلاد.
وهو ما يؤكد أن مسارات العدالة الدولية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تندرج ضمن مشروع شامل لإنهاء الحرب، وتحقيق العدالة، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أما توظيفها كامتداد لمعركة سياسية أو عسكرية، فلن يغير حقائق الميدان، ولن يفتح طريقًا نحو السلام، ويبقى المخرج الحقيقي مرهونًا بإرادة سياسية شجاعة تضع مصلحة السودان فوق رهانات الحرب، وتنتقل بالبلاد من منطق المواجهة المستمرة إلى أفق التسوية الوطنية الشاملة.