حين يصبح الكلور شاهداً: الجيش السوداني أمام أخطر اتهام دولي وتبعات اختطاف المؤسسة العسكرية

بقلم :صفاء الزين

في تطور بالغ الخطورة، أعلنت الولايات المتحدة خلال اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية المنعقد في لاهاي بهولندا، أن تقييماتها الفنية خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، مؤكدة أن المادة التي استُخدمت هي الكلور، وطالبت سلطة بورتسودان بالسماح بتحقيق دولي مستقل وعمليات تفتيش ميدانية من دون قيود تحت إشراف المنظمة.
هذا الاتهام يضع الجيش السوداني أمام واحدة من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه أي قوة عسكرية في العالم، فالسلاح الكيميائي ليس مجرد أداة في سياق معركة، وإنما هو انتهاك محظور دولياً لما يمثله من خطر مباشر على حياة المدنيين وقدرته على إحداث أذى عشوائي لا يميز بين مقاتل وغير مقاتل. وعندما تُستخدم مواد كيميائية كسلاح، فإن الأمر يتجاوز الحسابات العسكرية إلى مستوى الجرائم التي تمس الإنسانية وتهدد منظومة القانون الدولي بأكملها.
إن تحديد مادة الكلور في الاتهام الأمريكي يضاعف خطورة القضية، فالمشكلة ليست في المادة ذاتها واستخداماتها المدنية، وإنما في تحويلها إلى أداة لإيذاء البشر. ولذلك فإن التعامل مع هذه القضية لا يمكن أن يكون عبر النفي السياسي أو اللجان الداخلية، بل يتطلب تحقيقاً دولياً مستقلاً يكشف الحقيقة ويحدد المسؤوليات.
غير أن القضية لا تقف عند حدود استخدام سلاح محظور، بل تكشف أيضاً أزمة أعمق داخل بنية المؤسسة العسكرية السودانية نفسها؛ أزمة ارتباطها التاريخي بالتدخلات السياسية وتحولها إلى ساحة نفوذ للتيارات الإسلامية المرتبطة بنظام الإنقاذ السابق. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون مؤسسة وطنية تخدم الدولة والشعب، ظلت لعقود متأثرة بمحاولات الاختراق السياسي وإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخلها، وهو ما أضعف استقلاليتها وجعل قراراتها في كثير من الأحيان مرتبطة بحسابات أيديولوجية وسياسية لا بمصالح الوطن.
إن استخدام الأسلحة الكيميائية لا يمكن النظر إليه كحادث منفصل عن هذا السياق؛ فاختطاف القرار العسكري من قبل شبكات سياسية وأيديولوجية يحول المؤسسة التي يفترض أن تحمي المواطنين إلى أداة في صراعات السلطة. وعندما تتقدم حسابات البقاء السياسي على قيم حماية الإنسان واحترام القانون، تصبح الدولة نفسها رهينة لمصالح مجموعات محددة.
رفض أي تحقيق دولي مستقل أو محاولة استبداله بتحقيقات داخلية لا يمكن أن تبني الثقة، لأن العدالة لا يمكن أن تتحقق عندما تكون الجهة المتهمة هي الجهة التي تحدد آليات التحقيق ونتائجه. وحدها الشفافية الكاملة قادرة على إظهار الحقيقة، سواء لإثبات الاتهام أو نفيه.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً هائلاً نتيجة هذه الحرب، من قتل وتشريد وانهيار للخدمات وتدمير للبنية الاجتماعية. فإن استخدام السلاح الكيميائي، إذا ثبت، يمثل صفحة جديدة من الانتهاكات التي تؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الصراع على السلطة، وأصبحت معركة بين منطق الدولة والقانون ومنطق القوة والإفلات من العقاب.
إن المجتمع الدولي مطالب بالضغط من أجل تحقيق مستقل ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، كما أن السودانيين أمام سؤال تاريخي حول مستقبل مؤسساتهم: هل تكون مؤسسات وطنية خاضعة للقانون، أم تبقى رهينة لمشاريع سياسية تستخدم الدولة وأجهزتها لتحقيق أهدافها؟
فالسلاح الذي يُستخدم ضد الشعب لا يحمي الدولة، والمؤسسة التي تُختطف لصالح تيار سياسي لا يمكن أن تقود وطناً نحو الاستقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.