مسعد بولس يبدد التكهنات حول اتفاق وشيك لوقف الحرب في السودان
الترتيبات الأمنية تبقى العقدة الأبرز أمام وقف إطلاق النار
بددت الإدارة الأميركية موجة من التفاؤل التي رافقت تقارير إعلامية تحدثت عن قرب التوصل إلى هدنة إنسانية واتفاق يمهد لإنهاء الحرب في السودان، بعدما نفى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، صحة تلك الأنباء، مؤكدا أن المفاوضات لا تزال تواجه خلافات جوهرية، وأن أي إعلان عن اتفاق لن يصدر إلا عبر القنوات الرسمية.
ويأتي موقف بولس في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، جهودها لدفع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع نحو هدنة إنسانية تمثل خطوة أولى على طريق تسوية سياسية أوسع، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي خلّفت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وقال بولس، في تدوينة عبر منصة “إكس”، إن بعض التعليقات والتقارير الأخيرة “أساءت توصيف” الجهود الجارية، نافيا صحة ما تردد عن قبول الأطراف معظم بنود المقترح الأميركي، أو أن المفاوضات لم يتبق فيها سوى نقطة خلاف واحدة.
وأوضح أن عددا من القضايا الأساسية لا يزال موضع خلاف، وأن بعض المقترحات لم تحظ بقبول أي من الطرفين، فيما رُفضت أخرى بشكل صريح، الأمر الذي يجعل الحديث عن اتفاق وشيك سابقا لأوانه.
وجاء هذا التوضيح بعد تقارير إعلامية نقلت عن مصادر مطلعة أن الحكومة السودانية وافقت على غالبية عناصر خارطة الطريق الأميركية، وأن العقبة الأخيرة تتمثل في مطالبة الجيش بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها قبل بدء تنفيذ أي هدنة.
غير أن تصريحات بولس عكست رغبة أميركية في احتواء التوقعات المرتفعة، خشية أن تؤدي التسريبات أو القراءات المتفائلة إلى تعقيد المفاوضات أو زيادة الضغوط على الوسطاء.
وأكد المسؤول الأميركي أن واشنطن تواصل الضغط على جميع الأطراف بشأن مقترحات محددة، وأن هدفها لا يقتصر على وقف
مؤقت للقتال، بل يشمل التوصل إلى هدنة إنسانية تفتح الباب أمام سلام شامل ومستدام، يعقبه انتقال سياسي يعيد الاستقرار إلى السودان.
تصريحات بولس عكست رغبة أميركية في احتواء التوقعات المرتفعة، خشية أن تؤدي التسريبات أو القراءات المتفائلة إلى تعقيد المفاوضات أو زيادة الضغوط على الوسطاء.
وكانت الحكومة السودانية قد أعلنت أنها سلمت ردها على المقترح الأميركي، مشددة على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب.
كما أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن الخرطوم لن توافق على أي ترتيبات لا تلبي ما وصفه بمصالح السودانيين وتضمن أمن البلاد واستقرارها، في إشارة إلى تمسك الحكومة بشروطها الأمنية قبل الدخول في أي تسوية.
وتقترح المبادرة الأميركية هدنة إنسانية لمدة 90 يوما، تتوقف خلالها العمليات العسكرية، على أن تعقبها ترتيبات أمنية وسياسية تمهد للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقالية تنتهي بتشكيل حكومة مدنية مستقلة.
إلا أن الخلافات حول تفاصيل المرحلة الأولى ما زالت تعرقل إحراز تقدم حقيقي، ولا سيما في ما يتعلق بترتيبات الانسحاب وإعادة انتشار القوات وآليات مراقبة تنفيذ الهدنة.
ويشير نفي بولس أيضا إلى حرص الإدارة الأميركية على ضبط الرسائل السياسية الصادرة بشأن الملف السوداني، بعد تباين ظهر خلال الأسابيع الماضية بين تصريحات مسؤولين أميركيين ومواقف الحكومة السودانية.
وفي أواخر يونيو الماضي، قال بولس أمام مجلس الأمن إن مجلس السيادة رفض أحدث نسخة من مسودة الهدنة الإنسانية التي اقترحتها واشنطن، لكن وزارة الخارجية السودانية سارعت إلى نفي ذلك، ووصفت تصريحاته بأنها “غير دقيقة ولا تعكس حقيقة موقف الحكومة”.
ويعكس هذا السجال حجم التعقيدات التي تواجه الوساطة الأميركية، إذ تحاول واشنطن الحفاظ على زخم المبادرة من جهة، ومن جهة أخرى تجنب الإعلان عن اختراقات تفاوضية قبل استكمال التوافق على جميع البنود الرئيسية.
ورغم أن الولايات المتحدة، إلى جانب السعودية ومصر والإمارات ضمن إطار الرباعية الدولية، تواصل مساعيها لتقريب وجهات النظر، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الطريق نحو هدنة شاملة لا يزال طويلا، وأن القضايا الخلافية المتعلقة بالترتيبات الأمنية وتقاسم المسؤوليات الميدانية لم تُحسم بعد.
وفي ظل استمرار الحرب منذ أبريل 2023، وما خلفته من عشرات الآلاف من القتلى ونزوح نحو 13 مليون شخص، تبدو الأولوية بالنسبة للوسطاء الدوليين منع انهيار مسار التفاوض، حتى وإن كان الوصول إلى اتفاق نهائي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الوقت والتنازلات من طرفي النزاع.
العرب