هيومن رايتس ووتش: مصر تنتهك قوانين اللجوء وتُرحل اللاجئين السودانيين قسراً
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن العديد من اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، ومعظمهم من السودان، تعرضوا طوال الأشهر الماضية لحملة من الاعتقال التعسفي، والاحتجاز غير القانوني، والترحيل.
وأوضحت المنظمة أن السلطات المصرية تعتقل اللاجئين وطالبي اللجوء الذين انتهت صلاحية تصاريح إقامتهم بسبب تأخيرات إدارية طويلة من جانب الحكومة، بمن فيهم أشخاص يحملون بطاقات سارية صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
بيروقراطية إدارية
ووفقاً لـ”هيومن رايتس ووتش”، يُطلب من اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر تجديد تصاريح إقامتهم لدى الحكومة سنوياً، إلا أن تراكم المعاملات الحكومية أدى إلى منح بعض الأشخاص مواعيد تجديد بعيدة تصل إلى عام 2028.
وفي الوقت نفسه، من المقرر نقل إجراءات تحديد وضع اللاجئ، التي تولتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر منذ سنوات طويلة، إلى الحكومة، وذلك بموجب قانون اللجوء لعام 2024. غير أن الحكومة لم تطبق بعد اللائحة التنفيذية للقانون، في حين تواجه المفوضية أيضاً تراكمًا في البت بطلبات اللجوء.
وفي هذا السياق، قالت ميشال رندهاوا، المسؤولة الأولى في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين بمنظمة هيومن رايتس ووتش: “يفقد اللاجئون وطالبو اللجوء في مصر وضع الإقامة بسبب التأخيرات البيروقراطية، ويُسجنون ويُرحّلون لعدم حيازتهم الوثائق نفسها التي تقاعست الحكومة عن توفيرها. احتجاز طالبي اللجوء واللاجئين لمجرد انتهاء صلاحية وثائقهم بسبب تأخيرات إدارية حكومية هو إجراء تعسفي وجائر”.
عقبات مفوضية اللاجئين
وخلال شهري أبريل ومايو الماضيين، أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 19 لاجئاً وطالب لجوء من جنوب السودان، والسودان، وإريتريا، وإثيوبيا. وخلصت المنظمة إلى أن التأخر المتراكم في المواعيد الأولية للتقديم على الإقامة وتجديدها يترك اللاجئين وطالبي اللجوء عرضة للاعتقال التعسفي، والاحتجاز، والترحيل، حتى عندما يكونون مسجلين لدى المفوضية.
وأضافت المنظمة أنه منذ أواخر عام 2025، واستمراراً خلال عام 2026، كثفت السلطات المصرية حملة الاعتقالات والاحتجاز والترحيل، مستهدفة طالبي اللجوء واللاجئين، غالباً استناداً فقط إلى انتهاء صلاحية تصاريح إقامتهم.
وفي مارس الماضي، أعرب خبراء أمميون عن قلقهم إزاء تقارير عن عمليات الترحيل والاعتقالات التعسفية، محذرين من أن هذه الممارسات “نُفذت، بحسب التقارير، من دون تقييمات فردية لتحديد خطر الإعادة القسرية”، أي الإعادة إلى بلد أو إقليم يُرجح أن يواجه فيه الشخص الاضطهاد.
ورغم أن الحكومة المصرية لا تنشر إحصاءات رسمية، أفادت منظمات حقوقية ووسائل إعلامية بأن آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء اعتُقلوا أو رُحّلوا خلال عام 2026.
مصر لا تحترم القوانين
وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أنه، رغم أن مصر دولة طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي تُلزمها باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، فإن قانون اللجوء لعام 2024 لا يتضمن هذا المبدأ الأساسي. كما أن مصر دولة طرف في اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 التي تحكم الجوانب الخاصة بمشكلات اللاجئين في أفريقيا، والتي تحظر أيضاً الإعادة القسرية بشكل صارم.
وطالبت المنظمة السلطات المصرية بوقف جميع الاعتقالات التعسفية والاحتجاز وترحيل طالبي اللجوء واللاجئين، لا سيما الحالات المستندة فقط إلى انتهاء صلاحية تصاريح الإقامة، والوفاء بالتزاماتها الدولية، وتعديل قانون اللجوء لعام 2024 ولائحته التنفيذية بما يحمي اللاجئين وطالبي اللجوء من مزيد من التخبط القانوني. كما دعت إلى إدراج نص يمنح وضعاً مؤقتاً لطالبي اللجوء واللاجئين الذين ينتظرون مواعيد الإقامة، لضمان عدم معاقبتهم على تأخيرات خارجة عن إرادتهم.
وأضافت أن الجدول الزمني المتسارع الذي فرضته الحكومة لتنفيذ قانون 2024، رغم النقص الواضح في البنية التحتية، ينذر بتفاقم الوضع الهش الذي يعيشه عشرات آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء، أو بإنهاء حمايتهم القانونية فعلياً.
ودعت، بدلاً من ذلك، إلى إنشاء عملية انتقالية شاملة تمتد لسنوات متعددة، مع التعاون الوثيق مع المفوضية والمنظمات الدولية والمحلية للمجتمع المدني، لضمان عدم انقطاع الحمايات الأساسية.
واختتمت رندهاوا بالقول: “رغم وجود قانون لجوء جديد، تنتهك مصر حقوق اللاجئين بلا هوادة. بدلاً من إلقاء اللاجئين وطالبي اللجوء في فراغ قانوني، ينبغي لمصر تعديل قانون اللجوء لإدراج ضمانات ضد الاحتجاز التعسفي، والالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية”.
الإطار القانوني الجديد للجوء
في ديسمبر 2024، وقّع الرئيس عبد الفتاح السيسي قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024، منشئاً أول نظام لجوء رسمي في مصر، وناقلاً إجراءات تحديد وضع اللاجئ، التي تتولاها المفوضية في مصر منذ عام 1954، إلى “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين”، وهي هيئة حكومية تابعة لسلطة رئيس الوزراء.
ويُظهر تحليل أجرته “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات أخرى للقانون أنه يمنح اللجنة صلاحيات تقديرية واسعة للغاية، ويستبعد طالبي اللجوء من الحمايات المؤقتة والخدمات الممنوحة للاجئين، ويزيد من مخاطر الاحتجاز التعسفي والترحيل، كما أنه لا يحظر الإعادة القسرية صراحة، فضلاً عن اعتماده من دون مشاورات مجدية مع المفوضية.
ولم تنشر الحكومة المصرية اللائحة التنفيذية لتطبيق قانون اللجوء في “الجريدة الرسمية” إلا في 21 مايو الماضي. وتحدد اللائحة هيكلية اللجوء الجديدة، وتمنح الحكومة ستة أشهر، قابلة للتمديد، لنقل إجراءات تحديد وضع اللاجئ من المفوضية إلى اللجنة، رغم أن اللجان الفنية اللازمة لإنجاز ذلك لم تُعيَّن بعد.
كما لا تتضمن اللائحة أي إشارة إلى كيفية معالجة الحكومة التراكم الكبير في طلبات اللجوء لدى المفوضية، أو التراكم في طلبات طالبي اللجوء واللاجئين للحصول على مواعيد لاستصدار تصاريح الإقامة الأولية وتجديدها، ولا تُفصّل كذلك كيفية انتقال إجراءات تحديد وضع اللاجئ.
تأثير غياب الإقامة على الحياة اليومية
وسلط تقرير “هيومن رايتس ووتش” الضوء على انعكاسات التأخير في إصدار تصاريح الإقامة على حياة اللاجئين اليومية، مستشهداً بشهادة رجل سوداني يبلغ من العمر 29 عاماً، يحمل بطاقة صفراء صادرة عن المفوضية، وحصل على موعد للإقامة في عام 2027، إذ وصف حالة الشك وعدم اليقين التي يعيشها قائلاً: “أول شيء أفعله عندما أستيقظ هو أن أدعو الله أن أصل إلى وجهتي بأمان. لا أعرف إن كنت سأعود إلى البيت… أحاول اتباع الإجراءات، ولو استطعت لجددت إقامتي غداً، لكنهم أعطوني موعداً في 2027”.
وأشار التقرير إلى أن طالبي اللجوء الذين ينتظرون مواعيدهم يتسلمون ورقة تتضمن أسماءهم، وأرقام ملفاتهم لدى المفوضية، وتاريخ موعد الإقامة، ومعلومات أخرى، إلا أن جميع من أجريت معه “هيومن رايتس ووتش” المقابلات أكدوا أن هذه الوثيقة لا توفر لهم أي حماية إذا أوقفتهم السلطات المصرية.
عمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفية
وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن غياب الإقامة السارية يعرّض طالبي اللجوء واللاجئين للاعتقال والاحتجاز، حتى عندما يبرزون وثائق المفوضية. كما أشارت إلى أن وسائل إعلام ومنظمات حقوقية وصفت حملة قمع شملت إقامة حواجز شرطية في أحياء تضم أعداداً كبيرة من اللاجئين، وتوقيفهم أثناء تنقلهم لقضاء احتياجاتهم اليومية، إضافة إلى التنميط العرقي للاجئين وطالبي اللجوء السود.
وفي تقارير صدرت في فبراير الماضي، أفادت كل من منظمة العفو الدولية ومنصة اللاجئين في مصر بأن الشرطة المصرية تصادر وثائق اللاجئين السارية.
كما أورد التقرير شهادة امرأة سودانية، تبلغ من العمر 55 عاماً، من إقليم كردفان الذي يشهد معارك عسكرية، وكان موعد حصولها على الإقامة محدداً في عام 2028، قالت إنها كانت تسير في أحد شوارع القاهرة خلال مارس عندما أوقفها رجلان بملابس مدنية وطلبا منها إبراز إقامتها.
وأضافت أنهما لم يعرّفا نفسيهما كشرطيين، وأنهما قالا لها، بعد أن أبرزت بطاقتها الصفراء الصادرة عن المفوضية وجواز سفرها: “لا نريد بطاقة المفوضية ولا جواز سفرك، نريد إقامتك”.
ظروف الاحتجاز
وتناول التقرير أوضاع الاحتجاز، مشيراً إلى أن طالبي اللجوء الثلاثة الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات، وكانوا احتُجزوا في أقسام شرطة بالقاهرة، أفادوا بأنهم وُضعوا في غرف مكتظة، وحُرموا من الحصول المنتظم على الطعام ومياه الشرب النظيفة والاستحمام. كما ذكر أحدهم أنه تعرض لاعتداء جسدي، فيما قال آخر إنه شاهد الشرطة تعتدي على محتجزين آخرين.
وفي يونيو ، أفادت منصة اللاجئين في مصر بأن 12 طالب لجوء سودانياً توفوا داخل مراكز الاحتجاز المصرية منذ يناير الماضي. كما نقل التقرير عن وكالة “رويترز” أن اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين في مصر يتعرضون لـ”الابتزاز، والاكتظاظ، وندرة المياه، والانتهاكات” أثناء الاحتجاز.
الترحيل دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة
واختتمت هيومن رايتس ووتش تقريرها بالإشارة إلى توثيق روايات متعددة عن عمليات ترحيل نُفذت من دون ضمانات إجرائية مجدية، بما في ذلك إجراء تقييمات فردية للمخاطر قبل تنفيذ الترحيل.
وقالت المنظمة إن شخصين ممن أجرت معهم مقابلات أكدا أنهما رُحّلا، فيما أفاد أربعة آخرون بأن أفراداً من عائلاتهم المباشرة تعرضوا أيضاً للترحيل.
صحيح السودان