تجنيد الأطفال يفاقم انتهاكات الجيش السوداني وداعميه الإسلاميين
المدارس تتحول إلى ساحة للاستقطاب العسكري
لم تعد الاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في الحرب السودانية تقتصر على القصف العشوائي أو استهداف المدنيين، بل باتت تمتد إلى تجنيد الأطفال والزج بهم في الصراع، في تطور يعكس اتساع دائرة الانتهاكات مع دخول الحرب عامها الرابع.
وجاءت أحدث هذه الاتهامات من المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان، الذي قال إنه وثّق استمرار كتيبة “البراء بن مالك”، الداعمة للجيش السوداني، في تجنيد أطفال من داخل المدارس وإخضاعهم لتدريبات عسكرية في العاصمة الخرطوم، وهو ما يعيد تسليط الضوء على دور الجماعات الإسلامية المسلحة الحليفة للجيش في تعميق الأزمة الإنسانية والقانونية التي يشهدها السودان.
وقال المرصد، في بيان، إنه حصل على أدلة مصورة جديدة تظهر عمليات تجنيد قسري للأطفال من داخل المدارس، قبل نقلهم إلى مواقع تدريب عسكري في منطقة الساحة الخضراء بالخرطوم، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، اللذين يحظران إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تواجه فيه أطراف النزاع السوداني انتقادات دولية متزايدة بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان، غير أن اتهام جماعة مرتبطة بالجيش السوداني بتجنيد الأطفال يسلط الضوء على اتساع الانتهاكات داخل المعسكر الداعم للمؤسسة العسكرية، وليس فقط في مناطق سيطرة الأطراف الأخرى.
وتعد كتيبة “البراء بن مالك” من أبرز التشكيلات الإسلامية التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب مع قوات الدعم السريع في أبريل 2023، وقد برز دورها بشكل متزايد في المعارك داخل العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، ما جعلها أحد أبرز الفاعلين غير النظاميين في الصراع.
وتواجه الكتيبة ضغوطاً دولية متصاعدة، بعدما صنفتها الولايات المتحدة في مارس الماضي منظمة إرهابية أجنبية، كما فرضت عليها عقوبات لاحقاً، متهمة إياها بالمساهمة في تأجيج الحرب، وبالارتباط بإيران، وهي اتهامات ترفضها الجماعة.
وتعيد الاتهامات الأخيرة قضية تجنيد الأطفال إلى واجهة المشهد السوداني، بعدما كانت من أبرز السمات التي ميزت عدداً من النزاعات المسلحة في القارة الإفريقية خلال العقود الماضية.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى تجنيد القاصرين يعكس حجم الضغوط البشرية التي تواجهها الأطراف المتحاربة بعد سنوات من القتال، لكنه في الوقت نفسه يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع الالتزام بالقوانين الدولية، واتساع رقعة الانتهاكات مع استمرار الحرب.
وتزداد خطورة هذه الاتهامات لأنها تشير إلى استهداف المدارس، التي يفترض أن تكون فضاءات آمنة للأطفال، وتحويلها إلى نقاط استقطاب وتجنيد، بما يحرم آلاف التلاميذ من حقهم في التعليم، ويزج بهم في بيئة عسكرية تهدد مستقبلهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على الأطفال أنفسهم، بل يمتد إلى المجتمع السوداني، إذ يسهم في إنتاج أجيال نشأت في ظل الحرب، وتشكلت تجربتها الأولى داخل ساحات القتال بدلاً من المؤسسات التعليمية.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وثقت منظمات حقوقية وأممية سلسلة واسعة من الانتهاكات شملت القتل خارج القانون، والاعتقال التعسفي، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، واستهداف البنية التحتية المدنية.
ومع استمرار القتال واتساع نطاقه، باتت الانتهاكات أكثر تعقيداً، خاصة مع تنامي دور الجماعات المسلحة المتحالفة مع طرفي الصراع، والتي تعمل في كثير من الأحيان خارج الأطر العسكرية التقليدية، ما يزيد من صعوبة مساءلتها قانونياً.
ويرى مراقبون أن اعتماد الجيش السوداني بصورة متزايدة على تشكيلات مسلحة حليفة، ذو خلفية إسلامية، يطرح تحديات إضافية تتعلق بمسؤولية القيادة العسكرية عن أفعال هذه الجماعات، وفق مبدأ المسؤولية القيادية المعترف به في القانون الدولي.
وفي هذا السياق، فإن أي اتهامات موجهة إلى القوات الحليفة للجيش لا تنفصل عن النقاش الدائر حول مدى التزام المؤسسة العسكرية نفسها بحماية المدنيين، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني خلال العمليات العسكرية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الحرب السودانية بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، بعدما أدت إلى نزوح نحو 12 مليون شخص، بينما يواجه ما يقارب نصف سكان البلاد مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
ويحذر خبراء من أن استمرار تجنيد الأطفال، إلى جانب الانهيار الواسع في قطاع التعليم، يهدد بظهور “جيل ضائع” حُرم من الدراسة والرعاية، وأصبح عرضة للتجنيد والاستغلال والعنف.
كما أن استمرار الحرب يضعف قدرة المؤسسات الوطنية على حماية الأطفال أو ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، في ظل انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار المعارك في مناطق عدة.
ويرى متابعون أن أخطر ما تكشفه الاتهامات الأخيرة ليس فقط وقوع انتهاكات جديدة، وإنما غياب آليات فعالة للمساءلة، إذ لا تزال معظم الانتهاكات التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب تمر دون محاسبة، وهو ما يشجع على تكرارها وتوسعها.
ويؤكد خبراء في القانون الدولي أن تجنيد الأطفال دون الثامنة عشرة، ولا سيما إشراكهم في الأعمال القتالية، يمثل انتهاكاً خطيراً للاتفاقيات الدولية، وقد يرقى، في ظروف معينة، إلى جريمة حرب تستوجب الملاحقة القضائية.
وبين استمرار الحرب، واتساع دور الجماعات المسلحة الحليفة للجيش، وتصاعد الاتهامات بانتهاكات تمس الفئات الأكثر هشاشة، تبدو حماية الأطفال واحدة من أكبر التحديات التي تواجه السودان اليوم. فكلما طال أمد الصراع، اتسعت دائرة الضحايا، وتراجعت فرص إنقاذ جيل كامل من آثار حرب تجاوزت ساحات القتال إلى المدارس ومرافق الحياة اليومية، لتضيف إلى المأساة الإنسانية بعداً جديداً أكثر خطورة.
سكاي نيوز