عقوبات واشنطن… صفعة جديدة لسلطة بورتسودان

 

بقلم: صفاء الزين

 

جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة كضربة سياسية جديدة لسلطة بورتسودان، لكنها لم تصنع أزمة جديدة؛ لقد كشفت أزمة كانت قائمة منذ وقت طويل. فالمشهد الذي يقوده البرهان وسدنته أوصل السودان إلى واحدة من أكثر مراحله ظلمة وتعقيداً. بلد أنهكته الحرب، واستنزفته الصراعات، ودُفع إلى دائرة الضغوط والعزلة المتصاعدة. ما يحدث اليوم ليس حادثاً مفاجئاً؛ إنه حصاد طريق امتلأ بالأخطاء والمكابرة والإصرار على دفع البلاد نحو الهاوية.

 

وتأتي هذه العقوبات في إطار الحزمة الأمريكية الثانية المرتبطة بقانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية (CBW Act)، بعد اتهامات أمريكية باستخدام أسلحة كيميائية في سياق الحرب، وهو ما دفع إلى توسيع الإجراءات العقابية ضد السودان.

 

ولعل أكثر ما يكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه سلطة بورتسودان أن العقوبات لم تتوقف عند أسماء وكيانات محددة، بل امتدت إلى حظر شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة داخل الولايات المتحدة. القضية تتجاوز قراراً يتعلق بالطيران؛ إنها إشارة سياسية ثقيلة إلى اتساع دائرة العزلة التي بدأت تلتف حول هذه السلطة. فعندما تبدأ الأبواب في الإغلاق الواحد تلو الآخر، يصبح من الصعب الاستمرار في الحديث بلغة الانتصارات والسيطرة وكأن شيئاً لم يتغير.

 

سلطة بورتسودان ظلت تتحدث طويلاً بثقة من يملك الحقيقة المطلقة. رفعت شعارات الحسم، ووزعت الاتهامات، وتحدثت بلغة المنتصر الذي لا يخطئ. لكنها كانت تخوض معركة أخرى في الخفاء؛ معركة مع الواقع نفسه. والواقع لا يمكن هزيمته بالخطب، ولا يمكن دفنه تحت البيانات اليومية.

 

لقد تحولت بورتسودان إلى منصة كبيرة للخطابات السياسية؛ كلمات كثيرة، ضجيج كثير، ووعود كثيرة. وفي المقابل كانت الأزمات تتكاثر. كلما ضاقت الدائرة خرجت الوجوه نفسها تتحدث بالنبرة نفسها وتكرر اللغة نفسها، وكأن السودان محكوم بالدوران داخل الحلقة ذاتها.

 

ما يحدث اليوم يكشف بوضوح حجم العزلة التي بدأت تحاصر سلطة بورتسودان من كل اتجاه. فكل يوم تضيق المساحات التي ظلت تتحرك فيها بثقة الخطاب القديم، وكل يوم تصبح محاولات الهروب إلى الشعارات أقل قدرة على إخفاء الواقع. فالسلطة التي قدمت نفسها طويلاً باعتبارها صاحبة اليد العليا تجد نفسها الآن أمام مشهد مختلف؛ ضغوط تتصاعد، وأسئلة تتكاثر، وصورة سياسية تتآكل أمام العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.