البرهان والكيماوي: هل تفقد الحركة الإسلامية ميزة الابتزاز باستمرار الحرب؟

البرهان والكيماوي: هل تفقد الحركة الإسلامية ميزة الابتزاز باستمرار الحرب؟

 

نجم الدين سراج

 

حينما قال مساعد القائد العام للجيش (ياسر العطا) في فيديو تم بثه على الوسائط:(سنستخدم أكبر قدر من القوة المميتة يسمح بها القائد العام)، وبدا مأخوذاً بهتاف الإخوان من حوله، كان ذاهلاً عما يمكن أن يقود إليه تصريحه، فيكون قرينة تعضد البينات التي تثبت استخدام الجيش للسلاح الكيميائي ضد مواطنيه. وبلغ الحماس بالعطا في ذلك الفيديو، حد أن أعلن انتمائه الصريح للحركة الإسلامية في السودان، وغره بالله الغرور.

 

وبغض النظر عن تصريحات (العطا)، فقد شاهد السودانيون فيما شاهدوا من فظاعات الحرب جنوداً ملثمين يتبعون للجيش، يحملون في أيديهم عبوات صفراء اللون، تباهوا بها في الفيديوهات التي انتشرت بكثافة على الوسائط بفضل غرفهم الإعلامية، وسموها (دواء القناص). ومات الناس في الهلالية والصالحة جراء ضرب مصادر المياه بواسطة السلاح الكيميائي، ونشر أحد جنود الجيش فيديو وهو يطلق مقذوفا ينشر غازاً أصفر اللون. أما الصور التي توثق وجود براميل الكلور الفارغة في القرى وبالقرب مصادر المياه فـ(على قفا من يشيل).

 

وبالنسبة للسودانيين، ليس أمر استخدام السلاح الكيميائي من عدمه مما يتجادل فيه الناس. لكن يبدو إن (إخوان الشياطين)، عازمين على المضي بالكذب حتى آخر الشوط، خوفاً مما يجلبه الاعتراف بالحقيقة المرة من ويلات.

 

وفي السودان يمكن أن يختار البرهان جمعاً من الناس ليخطب فيهم قائلاً:(قالوا لينا استخدمتو الكيماوي، ونحن ما بننكسر ولا بنلين ولا بنتراجع)، وأن يحظى بالكثير من التكبير والتهليل والهتاف، وذات يوم قال (عمر البشير) في سعادة وهو يشير إلى (عبد الرحيم محمد حسين) الواقف بجواره:(عبد الرحيم دا قالوا دايرنو ناس المحكمة الجنائية يا جماعة)، وكأنه يمنحه وساماً، فملأت الجوقة من حوله المكان بالتكبير والتهليل.

 

لكن الإحاطة الرسمية الأخيرة لمستشار الرئيس الأمريكي (مسعد بولس) أمام مجلس الأمن الدولي،  جاءت لتؤكد أن قرار استخدام الجيش السوداني غاز الكلور السام لم يكن تصرفاً معزولاً من ضباط صغار، بل صدر بموافقة شخصية ومباشرة من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يدير برامج الأسلحة الكيميائية ضمن دائرة سرية ضيقة جداً داخل قيادة الجيش، لتواجه الأسرة الدولية البرهان بمخازية صراحة، ودون مواربة.

 

ولم تتوقف الإدانات الدولية عند التصريحات الشفهية، بل تُرجمت إلى حزمة عقوبات اقتصادية وتصنيعية مشددة فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية  بناءً على الأمر التنفيذي رقم (14098) وقانون مكافحة الأسلحة الكيميائية لتجفيف منابع الإرهاب الكيميائي لنظام بورتسودان. وشملت هذه العقوبات شركات واجهة تابعة للجيش، وفي مقدمتها شركة “تارجت” وقادة بـ “هيئة التصنيع الحربي” التي تسيطر عليها عناصر الحركة الإسلامية.

 

كما كشفت العقوبات عن شبكة توريد دولية عابرة للحدود شملت شركة هندية ومديرها التنفيذي، تورطت بشكل مباشر في تسهيل شحن واستيراد غاز الكلور الموجه لتصنيع القذائف الكيميائية.

 

والذي يدعو للتعجب أنه وفي مقابل كل هذه الأدلة الدامغة والملموسة، يتمسك مندوب البرهان في الأمم المتحدة بالإنكار في سلوك طفولي، ويكرر مطالباته بـ “أدلة فنية مخبرية إضافية” في مسعى بائس ومكشوف لشراء الوقت تهرباً من العواقب، وهو في وضع لا يحسد عليه، بعد أن نفدت منه الحيل واستعصى عليه التملص مما اقترفت يداه وأيدي رفاقه من جرائم، بحق السودانيين.

 

إن إصرار البرهان على رفض كافه دعاوي السلام أو الذهاب إلى هدنة إنسانية تمهيداً لإيقاف الحرب، وتبنيه بالكامل موقف قيادة الحركة الإسلامية الداعية لاستمرارها، لا يترك في يديه شيئاً للمساومة سوى الابتزاز باستمرار الحرب، في محاولة لفرض أجندة الحركة الإسلامية على المجتمع الدولي، والتغاضي عما ارتكبه الجيش من جرائم بحق المدنيين خلال الحرب، ابتداءً من الذبح بالسكاكين في شوارع مدني وتكايا الحلفايا، وحتى قصف الأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات في كردفان ودارفور بالطيران، فضلاً عن استخدام السلاح الكيميائي المحرم في مناطق مأهولة بالمدنيين.

 

كما إن سياسة قائد الجيش في الهروب إلى الأمام والكذب والإنكار كسياسة لتفادي استحقاقات الراهن وكسب الوقت، لن تظل صالحة للأبد. وهناك وهم أن كل شيء متوقف حتى يأذن (البرهان) ومن معه بأن تضع الحرب أوزارها، وهو وهم مخادع، والمشهد السوداني يتغير في كل يوم وساعة، وقد يتغير الوضع في قادمات الأيام، فيفقد الجيش – ومن خلفه الحركة الإسلامية – حتى إمكانية الابتزاز باستمرار الحرب، وحينها سيغادرون المشهد وبأسوأ طريقة ممكنة، بعد أن تنفد أمامهم الخيارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.