من الحرمان إلى الأمل: جرس نيالا الذي كسر الحصار التعليمي
من الحرمان إلى الأمل: جرس نيالا الذي كسر الحصار التعليمي
عمار سعيد
لم يكن جرس الامتحان الذي قرعه رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو في مدينة نيالا مجرد إيذان ببدء امتحانات الشهادة السودانية، بل كان إعلاناً سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً بأن حق التعليم لا يمكن أن يظل رهينة للحرب، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات الإقصاء والحرمان.
على مدى اكثر من عامين عاش عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان واحدة من أقسى فترات تاريخهم التعليمي. توقفت أحلامهم عند أبواب مدارس مغلقة، وتراكمت دفعات كاملة من الشباب الذين وجدوا أنفسهم محرومين من حق أساسي كفلته كل الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية. كان المشهد مؤلماً؛ طلاب يستعدون للامتحانات ثم يكتشفون أن مناطقهم مستثناة، وأسر تراقب مستقبل أبنائها وهو يتآكل يوماً بعد يوم تحت وطأة الحرب والتجاهل.
لكن ما حدث اليوم في نيالا يحمل دلالة أكبر من مجرد انعقاد امتحانات. إنه انتصار لفكرة أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن التعليم ليس خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل هو حجر الأساس لأي مشروع وطني يسعى إلى الاستقرار والتنمية والسلام المستدام.
لقد أدركت قيادة المجلس الرئاسي وحكومة السلام منذ وقت مبكر أن أخطر ما يمكن أن تخلّفه الحرب ليس الدمار المادي فقط، وإنما ضياع الأجيال. ولذلك لم يكن ملف التعليم مجرد بند إداري ضمن ملفات الحكومة، بل تحول إلى أولوية استراتيجية تعكس وعياً عميقاً بطبيعة المرحلة وتعقيداتها. فالاستثمار في الطالب اليوم هو استثمار في أمن المجتمع غداً، وفي اقتصاده، وفي وحدته الوطنية، وفي قدرته على تجاوز آثار الحرب.
حين وقف آلاف الطلاب صباح اليوم داخل قاعات الامتحانات في 72 مركزا موزعة على 8 ولايات مختلفة بما فيها طلاب الاقليم الأوسط لم يكونوا يؤدون اختباراً أكاديمياً فحسب، بل كانوا يعلنون نهاية مرحلة من الإحباط وبداية مرحلة جديدة من الأمل. كانت الابتسامات التي ارتسمت على وجوههم وعلى وجوه أسرهم رسالة واضحة بأن الشعوب لا تفقد إيمانها بالمستقبل ما دامت تجد من يعمل من أجلها ويترجم الوعود إلى أفعال.
إن المشهد الذي شهدته نيالا اليوم يؤكد أن حكومة السلام لا تنظر إلى الاستقرار باعتباره مجرد غياب للسلاح، بل باعتباره عملية متكاملة تبدأ بالتعليم والصحة والخدمات والتنمية وبناء المؤسسات. وهي رؤية استراتيجية تعكس حرص رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء وكل مؤسسات الدولة على الوفاء بالتعهدات التي قُطعت للشعب السوداني، والعمل بخطوات ثابتة ومدروسة لإعادة الحياة الطبيعية إلى المجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة بسبب الحرب.
لقد كسر الطلاب اليوم الحصار التعليمي الذي فُرض عليهم، واستعادوا حقاً طال انتظاره. وكسروا معه حاجز اليأس الذي حاول كثيرون ترسيخه في نفوسهم. وما جرى في نيالا ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فجرس الامتحانات الذي قُرع اليوم سيكون مقدمة لأجراس أخرى في التعليم والصحة والاقتصاد والإدارة والخدمات، وصولاً إلى بناء دولة تستوعب جميع أبنائها وتمنحهم فرصاً متساوية للحياة الكريمة.
سيذكر التاريخ أن آلاف الطلاب الذين حُرموا بالأمس عادوا اليوم إلى مقاعدهم الدراسية، وأن مدينة نيالا وغيرها من مدن التأسيس الجديد لم تشهد فقط انطلاق امتحانات الشهادة السودانية، بل شهدت لحظة انتصار الإرادة على الحرمان، والأمل على اليأس، والمستقبل على آثار الحرب.
وإذا كان لكل مرحلة رمز يلخص معناها، فإن جرس نيالا سيبقى رمزاً لمرحلة انتقل فيها أبناء دارفور وكردفان من الانتظار إلى الفعل، ومن التهميش إلى الحضور، ومن الحرمان إلى الأمل.