في ذكراها الـ(٥٧): انقلاب ٢٥/ مايو ١٩٦٩.. وانقلاب ٢٥/ أكتوبر.. هما تخطيط مصري
بكري الصائغ
في يوم الاثنين القادم ٢٥/ مايو الحالي، تأتي الذكرى السابعة والخمسين علي انقلاب البكباشي جعفر نميري في عام ١٩٦٩، ولست هنا بالكتابة عن هذا الانقلاب الذي غدت كل التفاصيل والمعلومات عنه معروفة للجميع، وانه خلال هذه السنوات الـ(٥٧) الطوال، نشرت العديد من الصحف السودانية والاجنبية الكثير، وكشفت حقائق مثيرة كانت مخفية عن العيون، ومن الاشياء الرائعة في عملية توثيق هذا الانقلاب منذ البداية وحتي نهايته في ٦/ ابريل ١٩٨٥، ان كل “الضباط الأحرار” – وهو الاسم الذي كان يطلق علي الانقلابيين-، قاموا وبعد سنوات من سقوط نظامهم، الادلاء بتصريحات كثيرة عن الانقلاب، وكشفوا بكل رحابة صدر عن كل ما خفي عن أحداث كثيرة وقعت في زمان حكمهم، ونشرت الصحف مقالات كتبوها هؤلاء الضباط (الاحرار) عن حقيقة مجزرة “بيت الضيافة” ومن قام بها، وعن اعدامات معسكر الشجرة عام ١٩٧١، والضباط قالوا الكثير المثير الخطر عن نميري، وكيف انه خدعهم بمؤامرة (خارجية!!) اطاح فيها باعضاء “الضباط الاحرار”، وقام بحل التنظيم.
واغرب ما جاء في تصريح الرائد / ابوالقاسم محمد ابراهيم- عضو تنظيم “الضباط الاحرار” ونشر وقتها بالصحف، انه وقبل وقوع الانقلاب بفترة طويلة، كانت الاجتماعات بينهم تتم في سرية شديدة بعيدة عن العيون، وكانت أكبر مشكلة واجهت أعضاء التنظيم، – بحسب كلام ابوالقاسم-، هي مسالة من يقود الانقلاب ويرأسه، هل هو العقيد خالد حسن ام العقيد جعفر نميري؟!!، ودار نقاش طويل حول هذه المعضلة، وتم الاتفاق في بادئ الامر، أن يكون خالد حسن عباس هو قائد الانقلاب بحكم انه الأكبر سنا، ولكنه انسحب من الترشيح لصالح نميري، وبعدها بسنوات جاءت الهتافات المعروفة (رئيسكم مين؟!! نميري .. حبيبكم مين؟!! نميري.).
هناك شيء غريب ومبهم للغاية، لم يستطع أحد أن يفك طلاسمه حتى اليوم رغم مرور (٥٧) عام عليه، فكل أعضاء “تنظيم الاحرار” وقتها وكانوا:-
(العقيد/ جعفر نميري، العقيد/ خالد حسن عباس، المقدم/ بابكر النور، الرائد/ فاروق عثمان حمد الله، الرائد/ مأمون عوض أبوزيد، الرائد/ أبو القاسم محمد إبراهيم، الرائد/ زين العابدين عبد القادر، / بابكر النور، الرائد/ هاشم العطا.)-، انهم جميعا رفضوا وباصرار شديد، ان لا يقولوا شيء، ولا يدلوا سلبا او ايجابا بأي تصريحات حول إن كان الرئيس المصري جمال عبدالناصر هو من كان وراء انقلاب ٢٥/ مايو ١٩٦٩، كل أعضاء هذا التنظيم تغمده الله برحمته، ظلوا حتى آخر دقيقة في اعمارهم ملتزمين الصمت وكتمان السر، وعدم البوح وان كانت القاهرة هي التي خططت للانقلاب بعناية ودقة، وانها اشرفت علي خطواته لحظة بلحظة حتي اذاعة البيان العسكري رقم واحد في صبيحة يوم الاحد ٢٥/ مايو ١٩٦٩.
في عام ١٩٦٩، دار جدل شعبي وسياسي كبير حول من هم الذين قاموا بكشف حقيقة ضلوع مصر في انقلاب السودان عام ١٩٦٩؟!!، كانت هناك ثلاثة روايات حول هذه النقطة، الرواية الأولى أفادت، أن المؤرخ المصري محمد حسنين هيكل، هو من كتب في إحدى مؤلفاته عن دور مصر في التنسيق مع جعفر نميري لانجاح انقلاب عسكري ضد حكومة اسماعيل الازهري.
وهناك رواية اخرى افادت، ان الحزب الشيوعي السوداني، كان هو أول جهة سياسية كشفت عن دور عبدالناصر في انقلاب السودان.
وهناك رواية ثالثة مفادها، ان المعارضة السودانية ضد نظام نميري في لندن – وتحديدا في عام ١٩٧١ بعد إعدامات معسكر الشجرة-، هي التي قامت بنشر كل الحقائق في الصحف البريطانية والعربية عن قيام جمال عبدالناصر شخصيا بالاتفاق مع نميري بعمل انقلاب.
ونعود للكتابة عن قصة انقلاب البرهان في يوم الاثنين ٢٥/ أكتوبر ٢٠٢١، والتي لا تحتاج إلى سرد مطول -على اعتبار أن كل شيء حوله غدا معروف للجميع بالتفاصيل الدقيقة الصغيرة والكبيرة -، واصبحنا علي علم تام بكل خفاياه واسراره، بدء من الرحلة السرية التي قام بها البرهان سرا إلى القاهرة في يوم الأحد ٢٤/ أكتوبر- أي قبل ساعات من انقلابه-، والتقي بالرئيس المصري/ السيسي واطلعه على نيته القوية في القيام بانقلاب يستولي فيها علي الحكم، ويغلق الباب أمام المكون المدني من استلامه السلطة في نوفمبر ٢٠٢١، ويلغي الاتفاق الذي ابرم بين المكون العسكري والمدني في تقاسم السلطة.
رجع البرهان الي الخرطوم بعد ان اعطاه السيسي الضوء الاخضر وايد مسعاه.
ولكن هناك رواية أخرى أفادت، أن السيسي هو من استدعى البرهان الحضور للقاهرة، وعرض عليه خطة الانقلاب – خطة محكمة باتقان شديد، تنطبق عليها المقولة المصرية المعروفة (ما تخر منها المية!!)-، فوجيء البرهان بكلام السيسي عن خطة الانقلاب والتي اصلا ما كانت في بال البرهان، ووافق البرهان علي الخطة وباركها السيسي لها، بعدها رجع البرهان الي الخرطوم، وقام بالانقلاب الغريب المثير للدهشة.
بعد هذا اللقاء مع السيسي، قام البرهان بتنفيذ أغرب انقلاب في تاريخ الانقلابات في العالم!!، -وهذه المعلومة عن هذا الانقلاب الفريد في نوعه ليست من عندي-، وانما كتبت عنها الصحف الاجنبية وافادت، ان انقلاب البرهان تم بلا تحريك أي دبابات من ثكناتها بالخرطوم!!، ولا اغلقت المصفحات الطرق والشوارع الرئيسية، ولا تم حراسة الوزارات والمصالح الحكومية والسفارات الاجنبية من قبل الضباط والجنود!!، ولم يتم اغلاق مطار الخرطوم والغاء رحلات المسافرين!!، بل والاغرب من كل هذا، ان الانقلاب خلا من اذاعة “البيان العسكري رقم واحد” كما جرت العادة عند وقوع الانقلابات المحلية والعالمية!!
بل واغرب ما جاء في هذا الانقلاب ايضا، ان نائب البرهان الفريق اول/ “حميدتي” لم يلم بتفاصيل وقوع الانقلاب الا بعد نحو ستة ساعات من وقوعه، بحكم انه كان وقتها في رحلة عمل بنيالا!!، غضب “حميدتي” ورفض الاعتراف بالانقلاب وأعلن رأيه هذا صراحة على الملآ، ولكنه تراجع عن اعترافه بعد اجاويد و”تحنيسات”، وجاء “حميدتي” للخرطوم وشارك في السلطة الدامية التي اودت بارواح مئات المتظاهرين الذين خرجوا ينددون بالانقلاب علي اتفاقية تقاسم السلطة، وليت الامر وقف فقط عند الاغتيالات التي راحوا ضحيتها نحو (٢٢٧) قتيل، ووقعت حالات اغتصابات وتعذيب في محيط قصر الشعب.
السؤال المطروح الان بشدة في الساحة السودانية، بما إن وضع البرهان محليا وعالميا، قد أصبح مثل الضرس ملخلخ ويحتاج إلى خلع، وبعد أن بدأت جهات دولية كثيرة تفكر في بديل له، فهل ستكون القاهرة هي -كالعادة-، صاحبة الانقلاب العسكري القادم وتطيح بالبرهان الذي وضعته هي في الرئاسة؟!!، ام ان “الجيش الاسلامي” بقيادة ياسر العطا رئيس هيئة الاركان، هو من يسبق القاهرة بالانقلاب؟!!..
المهم ان كل المعطيات قد أكدت استحالة بقاء البرهان في السلطة، وحان ميعاد رحيله شاء أم ابى.. وما علينا الا الفرجة والانتظار.
قال الشاعر/ طرفة بن العبد:
ستُبدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جاهلاً ** ويأتيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوِّدِ