نائحة مُستأجرة ووزير فاشل.. فخر انتاج بورتسودان

 نائحة مُستأجرة  ووزير فاشل.. فخر انتاج بورتسودان

 

علاء خيراوي

 

المعركة الدائرة بين خالد الأعيسر والإعلامية أم وضاح لا تبدو، في جوهرها، مجرد خلاف شخصي أو اشتباك إعلامي عابر، بل هي انعكاس لحالة التآكل والتوتر داخل المعسكر الذي يدير المشهد من بورتسودان. فحين تصل السلطة إلى مرحلة يتحول فيها الإعلاميون والوزراء إلى أطراف في معارك يومية مفتوحة، فإن ذلك يكشف أن مركز القرار نفسه يعيش حالة ارتباك وفقدان بوصلة، وأن التناقضات الداخلية بدأت تطفو فوق السطح بعد أن ظلت طويلًا تُدار خلف الأبواب المغلقة. اللافت أن هذا الاشتباك يأتي في لحظة شديدة الحساسية سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا، بينما البلاد غارقة في حرب مدمرة، والاقتصاد ينهار، والخدمات تتفكك، والملايين بين نازح ولاجئ وجائع. ومع ذلك، ينصرف جزء من معسكر السلطة إلى تصفية الحسابات الإعلامية، وتبادل الرسائل والانفعالات، وكأن الدولة لم تعد تملك مشروعًا جامعًا سوى إدارة الضجيج اليومي.

ولمن كان يتابع خطاب الوزير خالد الأعيسر منذ توليّه الوزارة، يلاحظ أنه كان يقدم نفسه باعتباره صوت المعركة الوطنية “وحرب ما يسمى الكرامة” والمدافع عن شرعية السلطة وخياراتها العسكرية والسياسية. لكن المشكلة أن الخطاب التعبوي الطويل غالبًا ما ينتهي بابتلاع أصحابه؛ لأن البيئة التي تُدار بمنطق الحرب والتخوين لا تستطيع أن تحافظ على تماسكها الداخلي طويلًا. فاليوم يصبح الحليف خصمًا، والإعلامي الذي كان يُصفق يصبح عبئًا، والدوائر نفسها تبدأ في أكل بعضها بعضًا. حاول البعض ان يصور ما جرى كعلامة قوة، ولكن في جوهرها هي واحدة من علامات الإنهاك السياسي. فالسلطة الواثقة من مشروعها لا تدخل في معارك التعدي اللفظي المباشر على الهواء والمنصات، ولا تسمح بتحول الفضاء الإعلامي إلى ساحة تصفية داخلية. أما حين يصبح كل طرف مشغولًا بحماية موقعه، أو تحسين صورته، أو ضرب الآخر داخل المعسكر نفسه، فذلك يعني أن الأزمة أعمق من مجرد خلافات شخصية؛ إنها أزمة بنية كاملة تعيش حالة خوف وقلق من المستقبل. والأخطر من كل ذلك أن المواطن السوداني العادي، الذي يدفع ثمن الحرب والخراب والانهيار، ينظر إلى هذه المعارك بوصفها مشهدًا عبثيًا لنخبة تتصارع فوق أنقاض وطن محترق. فبينما يتحدث المسؤولون عن الوطنية والسيادة والتحرير، تكشف هذه الاشتباكات مقدار التفكك داخل المعسكر ذاته، وأن كثيرًا من الشعارات الكبرى لم تعد قادرة على إخفاء واقع البؤس السياسي والإداري الذي يحيط ببورتسودان اليوم.
الوزير خالد الأعيسر فشل فشلا واضحاً في أن يقدّم نفسه كوزير إعلام اللحظة لدولة تعيش واحدة من أخطر دوراتها التاريخية، ليظهر فقط كمدير ساذج مبتدئ لحملة دعاية مرتبكة، تتضخم فيها الكاميرات أكثر من الإنجازات، وتُصرف فيها الأموال على الاستعراض أكثر مما تُصرف على بناء مؤسسات إعلامية محترمة أو خطاب وطني متماسك. فمنذ ظهوره في المشهد، ارتبط اسمه بسلسلة من الخفقات السياسية والإعلامية التي جعلت كثيرين يرون فيه نموذجًا للمسؤول الذي يجيد الضجيج أكثر من الإدارة. فحتى الزيارات الخارجية التي رافقت حكومة كامل إدريس بدت، في نظر قطاعات واسعة، أقرب إلى رحلات علاقات عامة باهظة الكلفة، بلا نتائج حقيقية على الأرض، ولا اختراقات سياسية أو اقتصادية تُذكر، بينما كانت البلاد تغرق أكثر في العزلة والانهيار. والأدهى أن الأعيسر أصبح رمزًا لعقلية الإنفاق العبثي في زمن المأساة؛ عقلية ترى أن صناعة المشهد أهم من صناعة الواقع. لذلك لم ينسَ الناس مشاهد التماثيل والاستعراضات المصنوعة بعناية الكاميرات، ولا ذلك الولع الغريب بالمظاهر الإعلامية الفارغة بينما السودان نفسه يتحول إلى حطام. فبدل أن يكون وزيرًا يعيد الثقة للإعلام الرسمي، أو يخلق خطابًا يداوي جراح الناس، بدا وكأنه منشغل بإخراج المشهد المسرحي للسلطة؛ كاميرات، حشود مصطنعة، مهرجانات خطابية، وصور تذكارية فوق أنقاض وطن محترق. ولهذا فإن مشكلة الأعيسر ليست فقط في فشله الإداري أو السياسي، بل في أنه جسّد، ربما أكثر من غيره، صورة السلطة التي انفصلت عن معاناة الناس الحقيقية، واستبدلت الدولة بالعرض، والإنجاز بالضجيج، والإعلام بالمكايدة. وحتى انفعالاته الأخيرة لم تكن سوى امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من الارتباك ومحاولة تغطية الفراغ بالصوت العالي.
أما أم وضاح في الجانب الآخر، فلم تعد بالنسبة لكثيرين مجرد إعلامية منحازة في معركة سياسية، بل تحولت إلى أحد أكثر الأصوات التصاقًا بخطاب الحرب والكراهية والتعبئة العنيفة داخل الفضاء السوداني. فمنذ اندلاع الحرب، بدا خطابها قائمًا على حالة دائمة من الغضب والتخوين والتحريض، حتى صار الاختلاف السياسي عندها أقرب إلى جريمة تستوجب الإلغاء المعنوي والتشفي، لا مجرد تباين في الرأي. والمتابع لظهورها الإعلامي وتصريحاتها يدرك أن نبرتها لم تكن نبرة باحثة عن سلام أو مخرجات وطنية، بل نبرة تعبئة نفسية مستمرة ضد كل ما هو مدني أو نقدي أو مخالف لمعسكرها.  فلقد أصبحت، في نظر خصومها وحتى بعض المحايدين، صوتًا يقتات على أجواء الحرب نفسها؛ كلما ارتفع منسوب الدم ارتفع خطابها حدةً، وكلما اتسعت المأساة اتسعت لغتها في التخوين والتشفي والانفعال. ولهذا لم يعد كثيرون يرون فيها “إعلامية” بالمعنى المهني، بل جزءًا من ماكينة الحرب النفسية التي ساهمت في تسميم المجال العام، وتحويل السياسة إلى معركة كراهية مفتوحة، حيث يُسحق المدنيون بين خطاب البنادق وخطاب المنابر التي تبررها وتمنحها الغطاء الأخلاقي والإعلامي.
والمشهد الأخير الذي كان بينها وبين الوزير الاعيسر لا يكشف فقط حجم العداء الشخصي بينهما، بل يكشف كذلك طبيعة البيئة السياسية والإعلامية التي نشأت داخل معسكر بورتسودان؛ بيئة أصبحت تقوم على الشتم والتشكيك والفضح المتبادل أكثر من قيامها على مشروع دولة أو رؤية لإنقاذ السودان. فالنص كله مكتوب بروح الغضب والكراهية والانفعال، لا بروح النقد السياسي الرصين. هي لا تناقش وزيرًا بقدر ما تسعى لتحطيم صورته نفسيًا وأخلاقيًا أمام الجمهور، مستخدمة أوصافًا مثل “المضطرب”، “المهزوز”، “الكاذب”، “الجبان”، وهي مفردات تعكس حجم الاحتقان الذي بلغته النخبة المتصارعة داخل المعسكر نفسه. واللافت أن أم وضاح، وهي تهاجم الأعيسر بهذه الحدة، كانت في الحقيقة تقدم صورة أكثر اتساعًا عن حالة السلطة ذاتها؛ سلطة تعيش على الأعصاب المنفلتة والخطاب العدائي والتخوين المتبادل. فحين يتحول وزير الإعلام إلى مادة للسخرية والاتهام من إعلاميين كانوا حتى وقت قريب جزءًا من ذات الاصطفاف، فهذا يعني أن التماسك الذي حاولت سلطة بورتسودان تسويقه بدأ يتآكل من الداخل. بل إن أخطر ما في المشهد ليس الهجوم الشخصي، وإنما اعترافه الضمني بأن الحكومة نفسها أصبحت عبئًا على “الانتصار” الذي يتحدثون عنه، وأن الفشل لم يعد رأيًا للمعارضة فقط، بل صار يُتداول داخل البيت الواحد. لكن المفارقة الأكبر أن أم وضاح، وهي تتحدث عن خطاب الكراهية والتهديد، ظلت طوال سنوات الحرب واحدة من أكثر الأصوات انفعالًا وتحريضًا واستقطابًا في المجال العام السوداني. ولهذا بدا المشهد كله وكأنه لحظة انفجار داخل معسكر عاش طويلًا على لغة التعبئة والغضب، قبل أن ترتد تلك اللغة على أهلها أنفسهم. فالوحش الذي يُربّى على التخوين لا يظل موجهًا نحو الخصوم فقط؛ في لحظة ما يبدأ في التهام أصحابه أيضًا.
وفي النهاية، فإن هذه المعركة لم تكشف فقط عن انحدار الخطاب داخل معسكر بورتسودان، بل كشفت أيضًا عن الوجه الحقيقي لسودان ما بعد الحرب؛ سودانٍ تتآكل فيه السياسة حتى تتحول إلى سوق للشتائم، وتنهار فيه هيبة الدولة حتى يصبح الوزراء والإعلاميون مجرد أطراف في مشهد من التلاسن والانفعال والفضائح المتبادلة. فحين يصف وزير إعلام امرأة بأنها “نائحة مستأجرة”، وحين ترد عليه إعلامية بأنه “وزير فاشل”، فإن الكلمات هنا لا تصبح مجرد إساءات عابرة، بل شهادات متبادلة من داخل البيت نفسه، يفضح فيها كل طرف حقيقة الآخر وحقيقة البيئة التي أنتجتهما معًا. والأقسى أن كليهما، دون أن يدريا، كانا يقدمان توصيفًا دقيقًا لواقع كامل، لا لأشخاص فقط؛ واقعٍ صار فيه الفشل هو اللغة السائدة، والانحدار هو القاسم المشترك، حتى باتت السلطة نفسها تتحدث عن نفسها بأفواه أهلها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.