جبريل إبراهيم من التهميش إلى هندسة النفوذ والمال،،،

جبريل ابراهيم من التهميش إلى هندسة النفوذ والمال،،،

حسب الرسول العوض إبراهيم

يعد وزير المالية جبريل إبراهيم واحدا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الساحة السودانية بل إن كثيرين يرونه نموذجا صارخا للانتهازية السياسية التي لا تتورع عن استغلال الأزمات لتحقيق المكاسب. فمنذ ظهوره في المشهد العام ارتبط اسمه في نظر قطاع واسع من السودانيين بممارسات تتجاوز حدود الفساد التقليدي إلى محاولة التحكم المباشر في موارد الدولة والتصرف فيها وكأنها ملكية خاصة، مستفيدًا من حالة السيولة والانفلات والفوضى التي تعيشها البلاد.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل مضى أبعد من ذلك بكثير ساعيا إلى بناء نفوذ سياسي وعسكري لحركته تحت لافتة “التهميش” مستغلاً واحدة من أكثر قضايا السودان عدالة وحساسية لتحقيق مشروعه الخاص. ومع اندلاع ثورة ديسمبر لم يكن بعيداً عن المشهد، بل تسلق الثورة بمهارة مستفيداً من حرص القوى الثورية والشعب السوداني عموما على إنجاح الانتقال الديمقراطي ومن تعطش السودانيين للسلام والاستقرار.

فجاء اتفاق جوبا الذي يراه كثيرون اتفاقا لتقاسم السلطة والثروة أكثر من كونه مشروعا حقيقيا للسلام، وقد تحققت نبوءة الإمام الصادق المهدي عليه رحمة الله حين سئل عن اتفاق جوبا ومشاركة  الحركات المسلحة  في  السلطة،  فقال:  من يريد أن يشارك في السلطة عليه التخلي عن السلاح، والا سيستخدمه من أجل الحفاظ على مكتسباته، فمنح اتفاق جوبا جبريل إبراهيم نصيبا مقدراً من السلطة والنفوذ. لكن سرعان ما انكشف الموقف فانقلب على الثورة واصطف مع الانقلابيين ليتحول إلى شريك مباشر في تقويض المرحلة الانتقالية وإجهاض حلم السودانيين في بناء دولة مدنية ديمقراطية.

ومنذ ذلك الحين ظل متمسكاً بوزارة المالية بصورة تثير الريبة وكأنها حق شخصي لا منصب عام، مستنداً إلى ذرائع فقدت صلاحيتها مع تغير الأوضاع. ولم يرَ في اتفاق جوبا بحسب منتقديه سوى ما يضمن له نصيبه من السلطة والثروة بينما تركت بقية القضايا التي بُني عليها الاتفاق دون تنفيذ حقيقي.

وعندما اندلعت الحرب، لم يندفع للدفاع عن الدولة كما يحاول أن يصور نفسه اليوم بل اختار الترقب والانتظار لما يقارب العام يراقب موازين القوى قبل أن يحدد وجهته. وحين بدأت الكفة تميل أعلن انحيازه لا انطلاقاً من موقف وطني أو مبدئي، بل حفاظا على نفوذه ومصالحه في خطوة بدت أقرب إلى إعادة تموضع انتهازية منها إلى اصطفاف وطني حقيقي.

وفي خضم الفوضى التي تعيشها البلاد توسعت دائرة الاتهامات الموجهة إليه باستغلال الحرب لترسيخ قبضته على مفاصل المال العام ومحاربة كل من يقف في طريق مشروعه السياسي عبر الإقصاء والضغط واستخدام النفوذ المالي.

ويبرز هنا ملف مشروع الجزيرة الذي كان ينتظر دعما عاجلًا من الدولة لإنقاذه من الانهيار فإذا به يتحول وفق ما يراه كثير من أهل الجزيرة إلى ساحة لمحاولات السيطرة والنفوذ عبر التغلغل في مؤسساته المختلفة من إدارة المشروع إلى البنك الزراعي وتنظيمات المزارعين، مستخدماً المال والنفوذ لشراء الولاءات وبناء قواعد سياسية جديدة داخل الإقليم.

غير أن هذه المحاولات اصطدمت بوعي أهل الجزيرة الذين رفضوا تحويل مشروعهم التاريخي إلى منصة للنفوذ السياسي أو التمكين الحركي. وقد تصاعد هذا الرفض بصورة واضحة خلال الأيام الماضية، حين كادت بعض التحركات المرتبطة بحركة العدل والمساواة أن تتسبب في فتنة قبلية ومجتمعية خطيرة داخل المنطقة.

فقد احتشد عدد كبير من أبناء الجزيرة كما حضرت مجموعات مسلحة إلى اجتماع خاص بتنصيب ممثل لحركة العدل والمساواة في الإقليم الأوسط رئيسا لقسم “المنسي” في مشهد كاد أن ينفجر لولا تدخل العقلاء واحتواء الموقف في اللحظات الأخيرة. وهو ما اعتبره كثيرون مؤشراً خطيراً على أن جبريل إبراهيم يسعى إلى توسيع نفوذه داخل الجزيرة بكل الوسائل، مستفيداً من المال العام والسلاح والنفوذ الذي وفرته له ظروف الحرب.

لكن هذه المحاولات رغم خطورتها لم تنجح ولن تنجح في خلق واقع جديد داخل الجزيرة، لأن أهلها يدركون جيدا خطورة تحويل مؤسساتهم ومشروعهم الزراعي إلى أدوات للصراع السياسي والمليشياوي.

فالرسالة اليوم واضحة وصريحة وهي ان الجزيرة ليست أرضا مستباحة ولن تكون لقمة سائغة لأي مشروع يسعى للهيمنة تحت غطاء سياسي أو عسكري. وأهلها لن ينسوا ما يرونه محاولات ممنهجة للسيطرة على مشروعهم التاريخي ومقدراتهم الاقتصادية.

كما أن هذا الرفض لا ينبع من دوافع عنصرية أو جهوية بل من موقف مبدئي يرفض هيمنة الحركات المسلحة على العمل السياسي في ظل انهيار مؤسسات الدولة وغياب المعايير الوطنية. فالسودان اليوم يمر بمرحلة شديدة الخطورة، وأي محاولة لاستغلال الفوضى الحالية لن تؤدي إلا إلى تعميق الانهيار وتمزيق ما تبقى من الدولة.

وفي نهاية المطاف تبقى الذاكرة الوطنية حية ولن تُمحى بسهولة مشاركة كل من اصطف مع الانقلاب وأسهم في إجهاض حلم السودانيين في الحرية والسلام والاستقرار. والتاريخ لن يرحم أحدا، وحين تأتي لحظة الحساب لن يكون هناك مكان للاختباء خلف الشعارات أو التحالفات المؤقتة.

* كاتب ومحلل سياسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.