شرق أوسط ما بعد الحرب: الخليج القوة الصاعدة

الحرب أظهرت بوضوح أن المنطقة لم تعد تدار فقط بمنطق الجيوش التقليدية أو الخطابات الأيديولوجية بل بمنطق الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج الاستقرار.

 

مختار الدبابي

 

لم تكن الحرب الأخيرة مع إيران مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية فتحت الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط، شرق أوسط جديد ليس بالمقاسات الأميركية، ولكن بمقاسات إقليمية وإن تقاطعت في بعض نتائجها مع المفهوم الأميركي

فكما أعادت حرب أكتوبر 1973 رسم موقع مصر عربيا، وكما أفرزت حرب تحرير الكويت ترتيبات أمنية جديدة في الخليج، تبدو المنطقة اليوم أمام طور مختلف تنتقل فيه مراكز الثقل تدريجيا من دول “المصبّ” التقليدية، مثل مصر والعراق وبعض بلدان شمال أفريقيا، إلى الخليج بوصفه القوة العربية الأكثر قدرة على التأثير والاستثمار وصياغة المستقبل.

أظهرت الحرب بوضوح أن المنطقة لم تعد تُدار فقط بمنطق الجيوش التقليدية أو الخطابات الأيديولوجية، بل بمنطق الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج الاستقرار. وهذه العناصر باتت متوفرة بدرجات متفاوتة في دول الخليج أكثر من غيرها. يضاف إلى ذلك قدرتها على أن تكسر معادلة الولاء التقليدية للولايات المتحدة وتبني إستراتيجية تعدد الشراكات ما يؤهلها لأن تكون في قلب المحاور الدولية ولو بدرجات متفاوتة.

كانت التوازنات العربية التي استمرت لعقود تقوم على مركزية مصر السياسية والثقافية، وعلى العراق باعتباره ثقلا جيوسياسيا وعسكريا. لكن هذه المعادلة تعرضت إلى اهتزازات متتالية منذ غزو العراق عام 2003، ثم مع ثورات الربيع العربي، وصولا إلى الحرب الأخيرة مع إيران التي كشفت حجم التحولات العميقة في بنية القوة داخل الإقليم.

الشرق الأوسط الذي تشكل بعد عقود طويلة حول الجيوش والانقلابات والأيديولوجيات، يتجه اليوم إلى إعادة ترتيب نفسه حول الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستقرار

تواجه مصر، التي حافظت لعقود على موقع المرجعية العربية حتى بعد اتفاقية كامب ديفيد، اليوم ضغوطا اقتصادية خانقة وتراجعا في قدرتها على التأثير الإقليمي المستقل. ومؤسسات العمل العربي المشترك التي كانت القاهرة تتحكم في مفاصلها، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، تبدو أكثر هشاشة وأقل قدرة على الفعل

كانت هذه المؤسسات انعكاسا لتوازنات قديمة لم تعد قائمة، بينما الواقع الجديد يتشكل خارجها، عبر تحالفات اقتصادية وأمنية مرنة تقودها العواصم الخليجية. هناك صعوبات حقيقية تمنع إعادة تطوير مؤسسات العمل العربي المشترك لتكون في مستوى اللحظة، ومرد هذا ارتباطها بتوازنات الريادة التي كانت تتزعمها مصر في العقود الأخيرة. ومع تراجع مصر وترك الريادة للخليج ينتهي عمليا دور تلك المؤسسات حتى وإن استمرت في الصورة.

أما العراق، الذي كان يُنظر إليه تاريخيا باعتباره أحد أعمدة النظام العربي، فيبدو أكبر الخاسرين من مرحلة ما بعد الحرب. فالعجز عن التخلص من النفوذ الإيراني، واستمرار تغول الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، يجعلان بغداد أقرب إلى ساحة استنزاف منها إلى مركز استقرار أو نفوذ. والحرب الأخيرة عمّقت هذا المأزق، إذ كشفت أن العراق لا يزال عاجزا عن بناء قرار سيادي مستقل، بينما تتجه المنطقة نحو اصطفافات جديدة تتطلب دولا مستقرة وقادرة على حماية مصالحها.

وفي شمال أفريقيا، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالمنطقة تعيش حالة عزلة نسبية عن التحولات الكبرى في الخليج، باستثناء المغرب الذي نجح في بناء شراكات إستراتيجية متقدمة مع بعض العواصم الخليجية. كما أن بعض المواقف الرسمية والشعبية التي بدت في بعض الأحيان أقرب إلى إيران أو متحفظة تجاه السياسات الخليجية، قد تدفع نحو اتساع دائرة البرود السياسي والاقتصادي بين المغرب العربي والخليج خلال المرحلة المقبلة.

في المقابل، يبرز الخليج باعتباره الكتلة العربية الأكثر حضورا وقدرة على الاستفادة من نتائج الحرب. فدول الخليج دخلت المواجهة وهي تمتلك فوائض مالية ضخمة، وشبكات تحالفات دولية واسعة، وخططا إستراتيجية للتحول الاقتصادي، بينما خرجت إيران منهكة عسكريا واقتصاديا وأكثر حاجة إلى التهدئة.

ويعكس حجم التعاطف الدولي مع الخليج خلال الحرب، جماعيا وثنائيا، عاملا مساعدا على جعل دول مجلس التعاون مركز ثقل دبلوماسي وإعلامي. كما أن تلويحها بالربط بين الاستثمارات والمواقف السياسية من الحرب، قد يجل بعض البلدان الوازنة تتحرك باتجاه موقف أكثر وضوحا في صالحها، من ذلك أن الصين التي بدا موقفها أقرب إلى موقف إيران في الحرب حرصت على تأكيد أنها تعارض أي إجراءات لعرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز، في رسالة داعمة لموقف دول الخليج.

هذه المعطيات تمنح الخليج فرصة تاريخية لتكريس نفسه مركز الثقل العربي الجديد، ليس فقط بسبب الثروة النفطية، بل بسبب نجاحه النسبي في الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الاستثمار والتكنولوجيا والخدمات. فالسعودية والإمارات وقطر لم تعد مجرد دول منتجة للطاقة، بل تحولت إلى مراكز مالية ولوجستية وإعلامية وتكنولوجية تمتلك أدوات تأثير عابرة للحدود.

ويبدو أن الحرب سرعت هذا التحول، لأن دول الخليج تدرك أن مرحلة ما بعد النفط تتطلب بيئة مستقرة وخالية من المغامرات العسكرية المفتوحة. ومن هنا تتشكل داخل الخليج رؤيتان مختلفتان في التعامل مع إيران.

السعودية والإمارات وقطر لم تعد مجرد دول منتجة للطاقة بل تحولت إلى مراكز مالية ولوجستية وإعلامية وتكنولوجية تمتلك أدوات تأثير عابرة للحدود

الرؤية الأولى تقوم على احتواء إيران واستثمار تراجعها العسكري لجرّها إلى مربع الحوار من موقع ضعف. أصحاب هذا الاتجاه يرون أن الأولوية يجب أن تكون لتحييد الصراع مع طهران، بما يسمح بمواصلة خطط التنمية العملاقة ومشاريع التحول الاقتصادي، خاصة في السعودية التي تراهن على إعادة صياغة اقتصادها ومكانتها العالمية خلال العقود المقبلة.

أما الرؤية الثانية، فتدفع نحو استمرار الضغط على إيران دبلوماسيا واقتصاديا، مع التلويح ببناء تكافؤ عسكري يضمن ردعها مستقبلا. وينطلق هذا التيار من قناعة بأن إيران، بوصفها قوة أيديولوجية تحمل مشروع “تصدير الثورة”، لن تتخلى بسهولة عن اعتبار الخليج ساحة نفوذ رئيسية، وأن أي تهاون معها قد يهدد الاستقرار اللازم لخطط التطوير الاقتصادي والتكنولوجي الخليجية، وهذا توجه تقوده الإمارات.

ورغم اختلاف المقاربتين في الأسلوب، فإنهما تلتقيان عند نقطة أساسية: ضرورة منع إيران من استعادة قدرتها على تهديد الخليج أو التحكم بمسارات الإقليم.

وفي ضوء هذه التحولات، من المنتظر أن يتشكل حزام عربي جديد يدور في الفلك الخليجي، تقوده المصالح الاقتصادية والاستثمارات أكثر مما تقوده الشعارات السياسية التقليدية. وسيضم هذا الحزام دولا مثل سوريا والأردن، وربما مصر بدرجة أقل، حيث ستعتمد هذه الدول بصورة متزايدة على الدعم الخليجي والاستثمارات وتحويلات العمالة.

سوريا، الخارجة من سنوات الحرب والعقوبات، ستكون بحاجة إلى التمويل الخليجي لإعادة الإعمار واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي. والأردن سيواصل لعب دور الحليف الأمني والسياسي القريب من الخليج. أما مصر، فرغم احتفاظها بثقلها السكاني والعسكري، فإن أزماتها الاقتصادية ستدفعها إلى مزيد من الاعتماد على المساعدات والاستثمارات الخليجية.

المفارقة أن الشرق الأوسط الذي تشكل بعد عقود طويلة حول الجيوش والانقلابات والأيديولوجيات، يتجه اليوم إلى إعادة ترتيب نفسه حول الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستقرار. وهذه المجالات تمنح الخليج أفضلية واضحة مقارنة ببقية الدول العربية.

لكن صعود الخليج لا يعني بالضرورة ولادة نظام عربي مستقر ونهائي. فالتحديات لا تزال كبيرة، بدءا من احتمال عودة إيران إلى سياسة التصعيد عبر الوكلاء، مرورا بالتحولات الدولية المرتبطة بالصراع الأميركي الصيني، وصولا إلى سؤال ما بعد النفط نفسه، والذي سيظل التحدي الأكبر أمام دول الخليج خلال العقود القادمة.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب مع إيران دشنت فعليا بداية “شرق أوسط خليجي”، تنتقل فيه العواصم النفطية من موقع الممول للنظام العربي إلى موقع القائد والموجّه له، في وقت تتراجع فيه الأدوار التقليدية للقوى العربية القديمة التي استنزفتها الحروب والأزمات والانقسامات.

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.