عودة “منصة برلين”.. لماذا يخشى الإسلاميون في السودان شبح التوافق المدني؟
عودة “منصة برلين”.. لماذا يخشى الإسلاميون في السودان شبح التوافق المدني؟
محمد صالح محمد
في التوقيت الذي تبحث فيه الأزمة السودانية عن “قشة” دولية للتعلق بها بعيداً عن أزيز الرصاص برزت مخرجات مؤتمر برلين كمتغير سياسي أثار موجة من ردود الفعل العنيفة من قبل التيار الإسلامي (المعروف محلياً بالكيزان) والواجهات المرتبطة بالنظام السابق. لم يكن الرفض مجرد موقف سياسي عابر بل جاء بصيغة “تحريم سياسي” وتخوين للمشاركين مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول البنية العميقة لهذا العداء تجاه أي تحرك تقوده القوى المدنية الداعية للسلام.
أولاً: كسر احتكار “الشرعية السيادية”
يرى التيار الإسلامي في أي محفل دولي يجمع القوى المدنية (مثل “صمود” وغيرها) تهديداً مباشراً لاستراتيجية “الشرعية عبر الحرب”.
عزل المسار المدني: يسعى “الكيزان” لتكريس فكرة أن صوت البندقية هو الوحيد الذي يمثل السيادة السودانية حالياً. مخرجات برلين التي ركزت على استعادة المسار الانتقالي ودور المدنيين تسحب البساط من تحت أقدام الخطاب الراديكالي الذي يحاول اختزال الدولة في “المؤسسة العسكرية” التي يسيطرون على مفاصل قرارها السياسي.
الاعتراف الدولي: وجود القوى المدنية في برلين وحصولها على دعم أوروبي ودولي يمنحها “شرعية موازية”. هذا الوجود يكسر سردية الإسلاميين بأن هذه القوى “معزولة” أو “لا تمثل الشارع” وهو ما يفسر حدة الهجوم الإعلامي لتشويه مخرجات المؤتمر.
ثانياً: فوبيا المحاسبة والعدالة الانتقالية
تتضمن مخرجات برلين وما شابهها من مبادرات دولية بنوداً جوهرية تتعلق بـ الإصلاح الأمني والعسكري والمساءلة عن انتهاكات الحرب.
الإصلاح المؤسسي: بالنسبة للإسلاميين فإن أي سلام يؤدي إلى “جيش مهني واحد” يعني نهاية نفوذهم داخل الأجهزة الأمنية وكتائب الظل (البراء بن مالك وغيرها).
العودة لما قبل 15 أبريل: يخشى هذا التيار أن أي توافق مدني مدعوم دولياً سيعيد إنتاج “الاتفاق الإطاري” أو صيغ مشابهة تضعهم خارج المشهد السياسي وتفتح ملفات التمكين والفساد التي بدأت لجنة التفكيك سابقاً في نبشها.
ثالثاً: السلام كتهديد وجودي
للمفارقة يبدو “السلام” في الأدبيات الحالية لهذا التيار مرادفاً للهزيمة. لماذا؟
استمرارية الحرب كغطاء: توفر الحرب بيئة مثالية لإعادة إنتاج كوادر النظام القديم تحت لافتة “المقاومة الشعبية” و”الاستنفار”. توقف الحرب يعني العودة لطاولة المفاوضات وفي السياسة يدرك “الكيزان” أن وزنهم الانتخابي والشعبي لا يؤهلهم لقيادة مرحلة ديمقراطية مستقرة.
شيطنة الوساطة: يتبنى هذا التيار استراتيجية “التخوين” لكل من ينادي بوقف الحرب واصفين القوى المدنية بأنها “جناح سياسي للدعم السريع”. هذا الخلط المتعمد يهدف لقطع الطريق أمام أي كتلة مدنية ثالثة يمكن أن تقود البلاد بعيداً عن ثنائية (الجيش/الدعم السريع).
رابعاً: العداء للقوى المدنية.. صراع الرؤى لا الأشخاص
العداء المستعر تجاه القوى المدنية التي تبحث عن السلام ليس شخصياً بقدر ما هو صراع بين مشروعين:
مشروع الدولة العسكرية/الدينية: الذي يرى في السودان دوله تدار بالقبضة الأمنية والولاء الأيديولوجي.
مشروع الدولة المدنية الفيدرالية: الذي تبشر به مخرجات برلين والذي يقوم على المواطنة المتساوية وتفكيك بنية النظام القديم.
لذلك فإن الهجوم على “منصة برلين” هو في حقيقته محاولة استباقية لمنع تشكل “كتلة تاريخية” مدنية تستطيع مخاطبة المجتمع الدولي بلغة موحدة مما قد يؤدي في النهاية إلى فرض عقوبات على معرقلي السلام أو محاصرة مصادر تمويل استمرار الحرب.
إن رفض الإسلاميين لمخرجات برلين ليس نابعاً من “حرص على السيادة” كما يروجون بل هو دفاع عن “البقاء السياسي”. فالسلام الذي يمر عبر بوابة المدنيين يعني بالضرورة نهاية “دولة التمكين” وإغلاق القوس الذي فُتح في 25 أكتوبر 2021. بالنسبة لهم الحرب هي الملاذ الأخير لاستعادة السلطة وأي صوت يدعو للسلام من خارج منظومتهم هو “عدو” يجب اغتياله معنوياً وسياسياً.