محنة الإسلاميين: سريان التصنيف، تسريب كبر، واعتقال ناجي
محنة الإسلاميين: سريان التصنيف، تسريب كبر، واعتقال ناجي
بقلم صلاح شعيب
بسريان قرار تصنيفها الأميركي بوصفها أرهابيةً من الآن فصاعداً – تزامناً مع تسريب كبر، واعتقال ناجي – تترسم ملامح لخفوت مرحلة للحركة الإسلامية السودانية من حيث التأثير السياسي. ولكن في الوقت نفسه تتمظهر بداية تحدٍ جديد سيواجهه الإسلاميون بمختلف تياراتهم.
الخفوت المتوقع للديناميكية المعهودة في التنظيم بعد اليوم يتعلق بتضييق ذلك التصنيف حرية الإسلاميين خفافاً، وثقالاً في المنشط، والمكره، والمغنم. إذ حاز تنظيم الحركة الإسلامية على الحرية الكاملة في تشكيل الأوضاع التي أعقبت الاستيلاء على فترة ما بعد الانقلاب الذي خططت له، ورعته في منتصف عام 1989.
أما البداية لتحدياتها الجمة إزاء التصنيف بعد دخوله حيز التنفيذ – بتوقيت واشنطن اليوم – فهي ستتحدد بما إذا كان التنظيم يعمل على الإذعان للسطوة الأميركية مرحلياً، أو المقاومة ضد تصنيفها – بشكل ظاهر، أو مستتر. وعندئذ – وهذا هو الأرجح – أن ينشط العمل الإسلاموي تحت الأرض، وتكون السرية هي وجهة التخطيط ريثما تنقشع السحابة، أو لا. والاحتمال الذي يرجحه بعض المراقبين تناثر الخلافات وسط القيادات الإسلاموية في التعاطي مع الأزمة، وطردهم من الجيش، وفض الشراكة مع البرهان، ومواجهته. وليست واقعة تسريب حديث كبر، واعتقال ناجي عبدالله، سوى بداية لتبذير المواجهة.
وفي كلا الحالتين فالأيام، ثم الشهور، والسنوات القادمة، حبلى بإظهار المقدرات النظرية للحركة الإسلامية في التعامل مع هذا المستجد العارم الذي يهدف إلى أبعادها من حقل السياسة في البلاد، وتحجيم تحالفاتها الإقليمية، والقارية، والدولية.
وهنا فالوضع أشبه بأن يوجه الملاكم لخصمه الضربة القاضية في انتظار الجولة الثانية لمنافسة الوزن الثقيل. ساعتئذ فربما يداوي الإسلاميون كضماتهم من خلال مراجعة حقيقية تكفل لهم استرداد اللياقة الفكرية لمجمل المنهج الميكافيلي الذي أصبغه الترابي على حركية التنظيم، وأورده من ثم الهزيمة المحلية، والإقليمية، والدولية.
الخفوت المتوقع لحرية حركة “الحركة الإسلامية” في كل الأصعدة الجغرافية التي لها فيها سهم يأتي بفعل عوامل عدة: اعتمادها الاستبداد وسيلة للبقاء في السلطة، ثم خصام قادتها الذي قاد إلى المفاصلة، ومن ثم الانشطار الأميبي لتياراتها. ضف إلى هذا الربكة الفكرية بعد انهيار مشروعها الحضاري كما اصطلح عليه، وانسداد أفق الحركية الاسلاموية بعد تعدد مراكز العمل المنفرد لقياداتها. وكذلك التحولات في المشهد الإقليمي، والدولي، التي أفرزت ثورة الاتصال، وذوبان الحركة الإسلامية في الدولة مما كبلها بتحمل ثقل المسؤولية عند التطبيق للفكرة التجريدية: ربط السماء بالأرض.
قد تكون هناك عوامل أخرى تتعلق أول ما تتعلق باعتماد الإسلاميين على العنف بأشكاله كافة عوضاً عن الدعوة بالحسنى، والشفافية، والصدق.
ولكن ما تزال معرفة أسباب فشل الإسلاميين في الحفاظ على ديناميكيتهم الحرة في حيازة، واسترداد السلطة سلماً، او انقلاباً، أو حرباً، محل تفكير دراسي متقدم. وليس كافياً أن يطلع بهذه المهمة الإسلاميون وحدهم، وإنما هم بحاجة إلى التواضع للاستماع إلى تقويم من خارج صندوقهم. فالمراجعات التي بدت في كتابات منظريهم ما تزال تحجب ما لا يطرح بالتفصيل، وركزوا على نقد التطبيق، ولم يمسوا شعرة النظرية.
فعالمنا اليوم ليس هو عالم الشافعي، والمودودي، وسيد قطب، وحسن البنا. إن الانفجار المعرفي، والعلمي، أوصلنا إلى الهندسة البيولوجية، والجينوم البشري، والحرب الرقمية، والتخابر السيبراني، والقنبلة الهيدروجينية، واقتصاد السوق الحر، والاندماج النووي، وغيرها من الثورات المعرفية في تفكيك الظاهرات البشرية لما بعد دولة ويستفاليا القطرية.
نهج ترمب، أو استعلاء الولايات المتحدة، ليسا إلا التبلور أتمه لعصر جديد، ولذلك من الخطا تحميلهما الوزر. فهل يبحث الإسلاميون محنتهم بناءً على إعادة قراءة مقدماتهم النظرية التي ستورثهم خفوت تلك الديناميكية في الحركة الميكافيلية، وبداية الصدام مع العالم، وبالكاد الاذعان لشروط التحولات العصرية الشديدة الأثر على العالم الثالث المفكك دينياً، ومذهبياً، وثقافياً، واجتماعياً، واقتصادياً؟.
لتكن مساهمة البلابسة الذين سلب إعلام الحركة الاسيلامية عقولهم بجهد المقل لمواساة الإسلاميين في محنتهم التي ستشتد أكثر فأكثر بعد سريان التصنيف، وتسريب حديث كبر، واعتقال ناجي.