السودانيون والامبريالية.. العقل السياسي المستلب!
السودانيون والامبريالية.. العقل السياسي المستلب!
رشا عوض
هناك امبريالية تتحكم في هذا العالم ، ما زال منطق القوة متسيدا وما زال حلمنا النبيل بعالم تكون السلطة العليا فيه للاخلاق ومقتضيات العدالة بعيدا، وكل انسان حر لا بد ان يكون حزينا لذلك ويتمنى عالما اكثر عدلا ورحمة واخلاقية.
السؤال ما هو المطلوب من السودان ازاء هذه الامبريالية؟ هل مطلوب منه ان يدرج التصدي لها في جدول اعمال حكومته؟ ما هي مؤهلاته لمبارزتها ؟ وما هي دواعي اقحام السودان في مثل هذه الحكايات “المكلكعة ” رغم ان واقعنا يقول بوضوح: ” دا شعرا ما عندنا ليهو رقبة” !
لكن هذه ليست المشكلة ، بل المشكلة الاخطر ان السودانيين يقتحمون موضوع الامبريالية هذا صما وعميانا !
بمعنى انهم لا يطلقون هذا الوصف انطلاقا من السودان دولة وشعبا ومصالح، بل يلغون السودان تماما! وعندما يتشنجون ويرغون ويزبدون في هجاء الامبريالية يكون عقلهم مشدودا لفلسسطين ولبنان والعراق وافغانستان وايران ! ومستلبا بالكامل لأجندة الشرق الاوسط وتحديدا لرؤية ايدولوجيات اليسار والاسلام السياسي لقضايا الشرق الاوسط ولذلك لا يرون امبريالية في العالم سوى امريكا والدول الغربية.
وعلى هذا الاساس يتصايح بعض السودانيين ضد الامبريالية مسرورين لانهم يحسبون صياحهم هذا تذكرة دخول لنادي الريادة والقيادة عروبيا واسلامويا! انها تلك العقدة المستوطنة شفانا الله منها!
انني افهم الامبريالية بوصفها استتباعا سياسيا واقتصاديا للدول الاضعف تمارسه الدول الاقوى عسكريا متكئة على قوة السلاح وشبكة معقدة من النفوذ الدولي .
استنادا لهذا التعريف، نجد السودان رغم افراطه في الصياح فاشلا في خوض اي معركة ضد الامبريالية التي تضع حذاءها فوق رأسه مباشرة !! فقد فشل السودان في ان يحرر نفسه من الاستتباع السياسي والاستغلال الاقتصادي المصري الذي لازمه منذ استقلاله حتى الان وكانت اداته الجيش الذي تستوطن فيه اكبر دوائر نفوذ مصري !!
فلو كان السودان هو محور تركيزنا السياسي فيجب ان نسعى للتحرر من الامبريالية التي تلينا مباشرة !! ويجب ان نتحرر من الاستعمار الكيزاني الداخلي الذي اذل الشعب واضعف الدولة وفتح الباب على مصراعيه لضياع السيادة الوطنية على عكس الاكاذيب والادعاءات!
يجب ان نفكر بعقلانية في انواع الامبرياليات التي خضعنا لها تاريخيا ونحدد ايها كان اكثر ضررا !!
من وجهة نظري اسوأ استعمار تعرض له السودان في تاريخه هو الغزو التركي المصري عام ١٨٢١ م الذي تأسس على اختزال السودان في انه مكان يجلب منه الذهب و “العبيد ” لاستغلالهم في خوض حروب لا تخص السودان! وهذا امتداد لما فعلته الامبراطورية العربية الاسلامية على مدى سبعة قرون عبر اتفاقية البقط !!
مواهيم القومية العربية الذين يتمشدقون اليوم بأن السودان ينتمي حضاريا وثقافيا للحضارة العربية يتجاهلون حقيقة ان علاقة السودان بهذه الحضارة وعلى مدى سبعة قرون كانت محكومة باتفاقية تلزم هذه البلاد بارسال ” آلاف الرقيق الخالي من العيوب ” سنويا الى دولة الخلافة!!
نعم اغلبية السودانيين مسلمون ، بعضهم يتكلم العربية كلغة ام واكثريتهم اكتسبها كلغة تعليم وتواصل رسمي وشعبي، نعم ذائقتنا الادبية ومداولاتنا الفكرية ووجداننا الثقافي تشكل في حضن الثقافة العربية والاسلامية ، ونعم هناك وشائج قوية تربطنا بالجوار العربي ، ولكن المسكوت عنه تاريخيا حتى الان هو ان مكانة السودان في العالم العربي هامشية والمخيلة العربية تنظر الى السودان كمجرد ملحق او تابع، وهذه النظرة تأسست على حقائق ووقائع وسيرورة تاريخية في علاقة هذه الرقعة الجغرافية وسكانها بالكيان السياسي العربي الاسلامي. ولهذا السبب مهما فعل السودانيون واصبحوا ملكيين اكثر من الملك في التصدي للقضايا العربية والشرق اوسطية فلن يكون لهم تأثير او نجاح يذكر لانهم حسب المخيال السياسي والحضاري للعرب والمسلمين يفتقرون الى القوة الرمزية اللازمة لأهلية القيادة.
ولذلك فإن المطلوب منا كسودانيين عدم استنزاف طاقتنا في إثبات اننا عرب بالاصالة ومن ثم نندفع اندفاعا اهوجا في تبني القضايا العربية وفي سبيلها نهدر مصالحنا ونعرض بلدنا للخطر ونضع انفسنا في عين كل عاصفة اقليمية ودولية لا تخصنا! وهو امر لا تفعله الدول العربية الاصيلة نفسها ! ففي القضية الفلسطيينية مثلا لا يكتفي السوداني المستلب ايدولوجيا للاسلام السياسي بالتعاطف والتضامن الانساني مع شعب تم حرمانه من حقه في دولة وطنية على ارضه وتعرض لتهجير وانتهاكات ، اي الموقف الذي يقفه الان ملايين حول العالم من امريكا اللاتينية واوروبا وافريقيا واسيا في نطاق ما هو متاح من مساحات التعبير وفق قوانين بلدانهم ، بل نجد هذا السوداني الكوز ينخرط مباشرة في الاشتباك مع اسرراييل عبر الدعم المالي لحركة هماس في وقت يموت فيه ملايين السودانيين جوعا ومرضا! وعبر تهريب السلاح الايراني لحمااس وحززب الله! وحتى خلال حرب الندامة الحالية يتصايح المهاويس بأنهم سيرسلون المقاتلين الى غززة.
اما السوداني البعثي او الشيوعي فلا يختلف كثيرا عن الكوز في قفزه بالزانة من الواقع السوداني ويجعل نقطته المرجعية في تصميم العلاقات الدولية خارج السودان وليس داخله!!
ومن الامثلة على ذلك في الماضي وتحديدا في ستينات القرن العشرين الهياج اليساري ضد ” المعونة الامريكية” وخوض معركة ملحمية ضد امريكا، لماذا؟ هل لأنها غزت السودان؟ او احتلت جزء من اراضيه كما تفعل دول مجاورة دون ان نقول لها بغم؟ هل نهبت مواردنا؟ ابدا ! انفجرت المعركة الملحمية ضد امريكا لانها قدمت للسودان معونة تنموية تضمنت رصف شوارع ودعم مشروعات زراعية وانشاء معهد للكليات التكنولوجية كان منارة التعليم الفني في السودان! ولو كان العقل السياسي حينها ينظر بعيون مصالح السودان دولة وشعبا لاستغل فرصة الحرب الباردة في ذلك الوقت واستفاد من الدعم الامريكي والغربي فائدة قصوى لانه ببساطة دولة نامية في امس الحاجة لتوطين المعرفة والتكنولوجيا وانشاء البنية التحتية والاستثمار عبر شراكات استراتيجية منتجة! ولكن المراهقة اليسارية في ذلك الوقت كانت تنظر للدنيا بعيون الاتحاد السوفيتي وبعيون القومية العربية وبعيون مصر التي دفعت الاتحاديين والعروبيين في هذا الاتجاه رغم ان مصر ذات نفسها اكبر مستفيد من الدعم الامريكي في الشرق الاوسط بعد ازرائيل! نظرنا للامر بعيون الخارج لا بعيون دولتنا التي كانت وما زالت تحتاج لرجال ونساء دولة! واخر ما تحتاجه الطفولة اليسارية و رومانسيات النقاء الايدولوجي الذي تحلق ارواح اصحابه فوق موسكو والقاهرة وبغداد ودمشق وطهران وكأنما السودان بكل اراضيه الواسعة لا يتسع لتحليقها!
لم تقتصر تلك الحماقات على موضوع المعونة الامريكية فقط بل اضاعت على السودان فرصة مشروع تعاون اقتصادي اخر مع المانيا الغربية، تعطل بسبب اعتراف نظام نميري بألمانيا الشرقية! ولا ادري ما فائدة المانيا الشرقية هذه لنفسها ناهيك عن فائدتها للسودان ( الحمد لله انهار سور برلين وارتحنا من هذه الخزعبلات)
عندما ننظر بعقل نقدي الى تلك الممارسات في الستينات وماقبلها، مؤكد لا نهدف لتجريم القادة السياسيين الذين قادوا تلك المرحلة، فقد كانت تلك حدود خبرتهم ومستوى نضجهم في بلاد حديثة عهد بالاستقلال وحظها قليل من التراكم المعرفي والمؤسسي في ” صنعة” بناء الدولة وحذق فنون إدارة المصالح ، ولا نقصد بتوصيفات الطفولية والمراهقة تسفيه التجربة السياسية لليسار ، فكما تعتبر الطفولة ببساطتها وبراءتها وسذاجتها ، والمراهقة بفورانها ومشاغباتها وحماسها مراحل حتمية في حياة الكائن البشري وجزء من تطور تجربته، فذات الامر ينطبق على التجارب السياسية للشعوب في الدول التي تتلمس طريقها نحو الدولة في العصر الحديث. ولكن الطامة الكبرى عندما يصل الكائن البشري مرحلة الشباب والكهولة ويظل يسلك سلوك الاطفال والمراهقين!! وهذا بالضبط حال العقل السياسي السوداني!
عندما صنفت الخارجية الامريكية الحركة الاسلامية كمنظمة إرهابية اشتغلت اسطوانات الامبريالية بذات نغمات ستينات القرن الماضي! وتم توبيخ كل من رحب بهذا التصنيف باعتباره بوقا للاستعمار الجديد !! في غفلة عن معطيات الواقع السوداني التي تشهد بان الامبريالية التي يعاني منها السودان في هذه اللحظة التاريخية هي امبريالية مصر وروسيا والصين وايران في المقام الاول! لماذا ؟ فيما يلي بعض المعلومات:
* مصر تحتل جزء من اراضي السودان، خلال هذه الحرب تدخل سلاح طيرانها الذي لم يكتف بضرب قوات الد.عم السريع بل دمر المصانع السودانية بالكامل حتى يستورد السودان احتياجاته الاساسية من الاسواق المصرية ، كما لعبت مصر دورا محوريا في الانقلاب على الثورة ، ثم لعبت دورا في اطالة امد الحرب لتستولي على حصة السودان من مياه النيل فضلا عن الاراضي الزراعية بملايين الافدنة في الشمالية والنيل الابيض والنيل الازرق التي وضعت يدها عليها بمساعدة السلطة الانقلابية.
* الصين عظمت ارباح شركاتها التي استخرجت النفط السوداني على حساب سلامة البيئة في مناطق استخراج النفط ، اذ استخدمت تكنولوجيا متخلفة ولم تلتزم الطرق العلمية للتخلص من المخلفات فاهلك ذلك مساحات كبيرة من التربة الزراعية وادى لنفوق الماشية والاخطر من ذلك الاضرار بصحة المواطنين ولا سيما في غرب كردفان. وكل ذلك بسبب فساد نظام الكيزان الذي اعفى الصين من المسؤولية الاجتماعية واصحاح البيئة مقابل الرشاوى.
* دعمت روسيا والصين نظام الكيزان لثلاثين عاما ، وبعد الثورة دعمت روسيا والصين المجلس العسكري في انقلابه على الثورة ، وعبر فاغنر دربت روسيا الاجهزة الامنية والاستخباراتية على كيفية صناعة رأي عام معادي للثورة وللقوى المدنية بصورة احترافية في مواقع التواصل الاجتماعي وقد شمل ذلك التدريب الوسائل التقنية وحتى محتوى الخطاب، كما عارضت روسيا والصين في مجلس الامن صدور قرار يدين المجلس العسكري بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة. باختصار كانت روسيا والصين ظهيرا لنظام الحركة الاجرامية الذي قمع الشعب السوداني ونهبه ، ووقفت الدولتان ضد الثورة وساندتا الانقلاب عليها، ورغم ذلك لا يفرد اليسار السوداني لروسيا والصين ومصر وايران حيزا من الادانة كما يفعل مع امريكا والغرب ، بل استورد يسارنا تلك ” التقليعة الشرق اوسطية الخرقاء” ممثلة في التحالفات الظاهرة والباطنة بين اليسار العروبي والماركسي والاسلام السياسي لمواجهة الامبريالية! وظهرت هذه التقليعة في السودان خلال هذه الحرب.
* ايران دربت عبر الحرس الثوري الاجهزة الامنية والعسكرية الكيزانية التي قمعت وعذبت الشعب السوداني ، ولعبت دورا في دعم نظام الكيزان .
بحثت لاجد معايير سياسية واقتصادية تجعل السودان يصنف امريكا والدول الغربية عدوا امبرياليا مستداما فلم اجد ما يخدم ذلك الادعاء فيما تفعله امريكا في السودان! بل وجدت الخطاب العدائي المتشنج ضدها مؤسس على ما تفعله امريكا خارج السودان ، فهل السودان الذي فشل في مواجهة ” الامبرياليات المباشرة التي تقمعه وتنهب موارده ” مؤهل ليكون مصلحا كونيا وحارسا لموازين القسطاس المستقيم وراء الحدود والبحار ؟ وهل الواجب الاخلاقي للنخبة السياسية السودانية هو تحقيق امن وسلام وتنمية السودان و نصب موازين العدالة داخله ام واجبها مداواة الجراح الفلسطيينية والعراقية والايرانية والافغانية في حين ان جراح السودان غائرة ونازفة ومتقيحة بسبب امبريالية الداخل ممثلة في ” الفاشية الكيزانية ” ! فلماذا يتعامى بعض اليساريين عن امبريالية الدول المساندة لهذه الفاشية والتي ما زالت تعمل على اعادة تمكينها من رقاب السودانيين ويصرفون النظر عنها فيما يشبه التواطؤ الى معركة مع امريكا والدول الغربية تحت رايات الامبريالية في حين ان سياسة هذه الدول تجاه السودان افضل بكثير من الدول المتحالفة مع اعداء الشعب السوداني!
“غايتو الجن بتداوى كعبة الاندراوة”
لن يبلغ العقل السياسي السوداني رشده الا اذا ترك ” الشوبار والشلاقة” وحصر تركيزه في استعدال حاله المائل ميلا شديدا ، وجعل بوصلته في العلاقات الخارجية مصالح السودان المباشرة.