التدخل العسكري المصري في حرب السودان… من “الغموض الاستراتيجي” إلى إدارة الحرب من خلف الحدود !!؟

التدخل العسكري المصري في حرب السودان

من “الغموض الاستراتيجي” إلى إدارة الحرب من خلف الحدود !!؟

 

 

… في تطور خطير يعيد تعريف طبيعة الصراع السوداني، كشف تقرير استقصائي لصحيفة نيويورك تايمز عن وجود قاعدة جوية مصرية متخفية قرب الحدود السودانية، تُستخدم كمركز انطلاق لإدارة عمليات عسكرية عالية التقنية داخل الأراضي السودانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور المصري الحقيقي في حرب السودان، وحدود التدخل الإقليمي في صراع داخلي معقّد.

قاعدة شرق العوينات: الزراعة كغطاء للحرب

بحسب التقرير، تقع القاعدة الجوية في محيط ما يُعرف بـ مشروع شرق العوينات الزراعي، وهي منطقة لطالما قُدّمت للرأي العام كمشروع تنموي استراتيجي، قبل أن تكشف التحقيقات أنها تخفي بنية عسكرية متطورة تُدار بعناية فائقة.

القاعدة – وفقاً للأدلة التي أوردتها الصحيفة – ليست مجرد مهبط طائرات، بل منصة متكاملة لإدارة الطائرات المسيّرة المسلحة، جرى استخدامها خلال الأشهر الستة الماضية لتنفيذ ضربات دقيقة استهدفت تحركات ومواقع لقوات الدعم السريع  وكذلك  ضرب المدنيين في بوادي الرحل في الزرق والزرد وغرير  ومدن مثل كتم و مليط وكبكابية وغيرها الكثير و الكثير داخل السودان.!!!

أدلة متعددة… ورواية متماسكة

اعتمد التحقيق على تحليل صور أقمار صناعية عالية الدقة، وسجلات تتبع حركة الطيران العسكري، إلى جانب مقاطع فيديو ميدانية وشهادات لمسؤولين غربيين وعرب، ما يمنح الرواية مصداقية استقصائية يصعب تجاهلها.

وتشير هذه الأدلة إلى نمط عمليات منظم، يعكس تدخلاً عسكرياً غير معلن، يتجاوز حدود الدعم السياسي أو الاستخباراتي التقليدي، ويدخل في نطاق إدارة العمليات القتالية عن بُعد.

حرب السودان تتحول إلى “حرب تكنولوجية”

الأخطر في ما كشفه التقرير ليس فقط وجود القاعدة، بل تحول الصراع السوداني إلى ساحة حرب تكنولوجية عالية التقنية ، تُدار من خارج الحدود، وتُستخدم فيها الطائرات المسيّرة ( اكانجي وبيرقدار الخ … ) كأداة حسم دون كلفة سياسية مباشرة على الطرف المتدخل..!!

هذا التحول يعكس من جهة اختلال ميزان القوة داخل السودان، ومن جهة أخرى يعزز من منطق “الحرب بالوكالة”، حيث تُدار المعارك لخدمة حسابات الأمن القومي الإقليمي، لا لمصلحة الشعب السوداني أو استقرار دولته.

 

مصر : الأمن القومي أم إعادة تشكيل المجال الحيوي؟

من منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذا التدخل – إن تأكد – في إطار الهواجس المصرية المزمنة تجاه الجنوب :

الخوف من انهيار الدولة السودانية بما يفتح المجال لفوضى أمنية على الحدود الجنوبية.

القلق من تمدد قوى إقليمية ودولية منافسة في السودان.

السعي لإعادة ضبط “المجال الحيوي المصري” في ظل صراعات سد النهضة وأمن البحر الأحمر.

غير أن هذه الدوافع، مهما كانت، لا تبرر تدويل الحرب السودانية وتحويلها إلى مختبر للتجريب العسكري، على حساب السيادة السودانية ودماء المدنيين.

 

صمت رسمي… وغموض مقصود

رغم خطورة ما ورد في التحقيق، التزمت كل من القاهرة والخرطوم صمتاً مطبقاً، لم يصدر معه أي نفي أو توضيح رسمي. هذا الصمت لا يمكن فصله عن سياسة “الغموض الاستراتيجي”، التي تُستخدم لإدارة ملفات حساسة دون تحمل تبعات سياسية أو قانونية دولية.

لكن هذا الغموض، بمرور الوقت، يتحول من أداة إدارة إلى عامل إدانة، خاصة مع تراكم الأدلة وتزايد التسريبات الصحفية الدولية.

 

الخلاصة : حرب السودان لم تعد شأناً سودانياً

ما يكشفه تقرير نيويورك تايمز يضع حرب السودان في إطار جديد : لم تعد صراعاً داخلياً فقط، بل عقدة إقليمية تُدار من خلف الستار، حيث تتقاطع مصالح دول الجوار مع ضعف الدولة السودانية وانقسام نخبها.

وأمام هذا الواقع، يصبح السؤال المركزي :

كيف يمكن للسودانيين استعادة قرارهم الوطني، ووقف تحويل أرضهم إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، في ظل صمت رسمي، وتواطؤ دولي، وانكشاف عسكري غير مسبوق؟

إن الإجابة على هذا السؤال لم تعد ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء الدولة السودانية نفسها.

 

# كلااااام شااااي

الهادي ابوزايدة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.