بين “لاءات” البرهان، وإشارات “الإبريز”؟!
الجميل الفاضل
بين “لاءات” البرهان، وإشارات “الإبريز”؟!
في مشهدٍ يبدو كأنه قد كُتب بمداد المفارقة، خرج أمس عبد الفتاح البرهان من غيابه الغامض، لا ليجيب عن أسئلة، لكن ليضيف إليها ظلاً وغماماً؛ ملوِّحاً بـ”لاءاته” في وجه هدنةٍ تستغيث بها الأرض قبل الناس، بنبرةٍ تستعير صلابةً لا يسندها واقع. في وقت كانت تتهيأ فيه محكمة لوس أنجلوس الفيدرالية، غداً الجمعة، لعقد جلسة عاصفة للمتهمة الإيرانية “شميم مافي”، عقب انتهاء مهلة الأسبوعين؛ لتضع تلك الـ”لا” البرهانية أمام تحدي مرآة الحقيقة.
المهم، فبينما كان القائد العام يبيع وهْم نصره الحاسمٍ، كشفت وثائق الـFBI الملحقة بقضية “الفراشة” شميم، أن ذات القيادة التي ترفض الهدنة الي أمس، كانت تتوسل مجرد سمسارة إيرانية لتوفير رصاصٍ يكفي لثلاثة أيام فقط، عبر قنوات “حوالة” سرية وصرافات رمادية، تليق بالعصابات لا بالجيوش العريقة. ما بين هذين المشهدين، تنكشف فجوةٌ لا تُردم بالشعارات: قيادةٌ تعلن امتناعها عن وقف الحرب، وهي ربما تقول بغير ذلك في غرف مغلقة بعيدة عن أعين وآذان الناس. كأن الحرب نفسها قد صارت قناعاً لهذا الجنرال، وكأن هذا القناع قد انقلب وجهاً دائما له بالداخل.
غير أن هذه المفارقة، على قسوتها، ليست إلا باباً يُفتح لمن شاء أن يرى بعينٍ تقرأ ما وراء الخرق لا ما عليه.
كما خرق العبد الصالح سفينة المساكين، لا إفساداً بل إنقاذا، كذلك تتكشف بعض الفضائح لا لتهدم، لكن لتُنجي ما تبقى من هذه السفينةٍ التي أثقلها ملوك غاصبون.
فالسودان، في سره الكبير، ليس هو ما يظهر منه في هذه اللحظة فقط.
هو بلدٌ يتقن فنون التخفي: يخبئ بستانه في وردة، وغابته في شجرة، وفينيقه تحت الرماد.
وما يبدو فيه احتراقاً كاملاً، قد لا يكون سوى طورٍ من أطوار نهوضه من جديد.
ولعل ما أشار إليه سيدي عبد العزيز الدباغ، في كتابه “الإبريز”، لم يكن وصفاً عابراً، بتأكيده:
أن الولاية في هذا البلد كثيرة، لكنها مستورة ببساطةٍ تحجبها عن أعين المتصنّعين.
وبالطبع ليس كل ما خفي هنا ضعفاً، ولا كل ما انكشف هو كذلك دليل قوة.
هكذا، يتقابل في هذه البرهة “كدرُ ظاهرٍ” تضج به المحاكم والأخبار، مع “صفاء باطنٍ” يتخلّق بصمتٍ في شعبٍ صقلته المحن حتى صار يحتمل ما لا يُحتمل.
كأن الألم نفسه صار أداة تطهير، وكأن الرماد يُعاد ترتيبه ليكشف عن معدنٍ لم تفسده النار، لكنها ستخلّصه من كل شوائبه وإن كثرت.
على أية حال، فإن قصة السودان، التي تحدّث عنها الشيخ الدباغ في “الإبريز” قصة قديمة، قال عنها هو:
(إِنَّ الْوَلَايَةَ فِي أَهْلِ السُّودَانِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَكِنَّهَا مَسْتُورَةٌ بِالْبَسَاطَةِ وَعَدَمِ التَّصَنُّعِ).
هذه البساطة غير المتصنعة هي ذاتها “الحصانة” التي ظلّت تحفظ معدن أهل السودان من التحلل؛ ليقابل “كدر الظاهر” الذي تُظهره محاكمات لوس أنجلوس، ولاءات البرهان الفارغة، “صفاءُ باطنٍ” في شعب ظل يطهّر الله معدنه بالمحن، كما قال الدباغ حرفياً عن أهل السودان:
(طَهَّرَ بَاطَنَهُمْ بِالْمِحَنِ، وَجَعَلَ سِرَّهُمْ مَصُوناً عَنِ الْأَغْيَارِ).
إنه مشهدٌ تتخالف فيه الأسباب مع نتائجها: ما يُرى انكساراً، قد يكون هو عين القوة؛ وما يُحسب نصراً، ليس إلا تأجيلاً لهزيمة.
وهنا، تحديداً، يلتبس الطريق على من يقيس بالبصر وحده.
ولذلك، فإن أمر السودان، من هذه الزاوية، ليس خطاً مستقيماً، بل دائرةٌ تدور حتى تبلغ مركزها.
ليصبح ما قاله محمود محمد طه عن “مركز دائرة الوجود”، لا يبدو اليوم قولاً مؤجلاً، بل نبوءةً تتقدّم ببطء لتجعل السودان نقطة التقاء، بين أرضٍ مثقلة، وسماءٍ تنتظر.
أما هذه الحرب، فكما جاءت بلا مقدمات، سترحل هي أيضا بلا استئذان.
كأنها موجةٌ عبرت بحرا أعمق منها بالضرورة.
ولذا فإن هذا العام بما يختزنه من انعطاف ليس إلا لحظة يسر بعد عسر؛ لحظةً “يُغاث فيها الناس وفيها يعصرون”.
كما أن ما بيننا وبين ما يمكن أن يُسمى “عصر الإبريز”، ليس مسافةً تُقطع، بل حجابٌ يُرفع.
لو أنه انكشف اليوم، فلن تبقى الأشياء على أسمائها القديمة:
سيعرف المنتصرون أن انتصارهم كان وهماً، وسيدرك المنكسرون أن انكسارهم كان عبوراً الي نقطة أخري.
وعندها فقط، لن نقف على أطلال وطن، بل على عتبة يلتقي عندها بحران، يحملان السودان ذاته، مجمعا، ومقرنا، وإشارة.