الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية ( 2 _ 9 )
الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية ( 2 _ 9 )
د.عبد المنعم همت
للحلقة الثانية:
الواقعية السياسية أم إعادة إنتاج الهيمنة.. قراءة في مفهوم المشاركة وحدود
الأخلاق
تتقدم هذه الحلقة من النقطة التي توقفت عندها السابقة حيث بدا أن الممارسة السياسية للحزب الشيوعي السوداني تتحرك داخل منطقة رمادية تجمع بين خطاب ثوري معلن وسلوك عملي يتكيف مع شروط السلطة القائمة. هنا يصبح من الضروري تفكيك مفهوم الواقعية السياسية كما جرى توظيفه وتحليل حدوده من داخل المنهج الماركسي، دون اللجوء الى أحكام اخلاقية مجردة ودون استدعاء يقينيات خارج التاريخ.
الواقعية في الفكر الماركسي لا تعني القبول بالأمر الواقع ولا التكيّف مع ميزان القوى كما هو وإنما تعني قراءة هذا الميزان قراءة جدلية تكشف تناقضاته وتحدد نقاط ضعفه وتعمل على تحويل الصراع من حالة دفاعية الى مسار تغييري. الواقعية بهذا المعنى تفترض وعياً بالبنية وبالعلاقات الطبقية التي تنتج السلطة وبالأدوات التي تستخدمها لاعادة إنتاج سيطرتها. أي ممارسة سياسية تغفل هذا البعد تتحول من واقعية إلى تبرير.
في تجربة الحزب الشيوعي السوداني، يظهر مفهوم الواقعية بوصفه مدخلاً لتسويغ المشاركة داخل مؤسسات السلطة، تحت شعار تقليل الخسائر او إيصال الصوت،أو خدمة الجماهير. هذا الخطاب يفترض أن الفعل السياسي يمكن أن يُجزّأ وأن الدخول إلى مؤسسة ما لا يعني بالضرورة القبول بشروطها البنيوية. غير أن التحليل الماركسي يرفض هذا الافتراض، لأن المؤسسات ليست أوعية فارغة وإنما تجسيد لعلاقات قوة محددة تعمل وفق منطق يخدم الطبقات المسيطرة.
البرلمان ( المعيّن ) عام ٢٠٠٥ يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية. لم يكن هذا البرلمان ساحة صراع مفتوحة ولا مجالاً لتوازن قوى قابل للاختراق كما ظن البعض، وإنما كان جزءاً من بنية حكم هدفت إلى إعادة إنتاج الشرعية بعد سنوات من الانقلاب والحرب والقمع. الدخول إلى هذه المؤسسة، حتى من موقع الأقلية، منحها وظيفة إضافية هي وظيفة التجميل السياسي وإظهار التعدد الشكلي، دون المساس بجوهر السلطة .
الدفاع عن هذا الدخول جرى تقديمه بوصفه موقفاً أخلاقياً يضع معاناة الجماهير في المقام الأول. هنا يتم رفع الخدمة، أو الحضور، إلى منزلة أخلاقية مطلقة منفصلة عن سياقها السياسي. هذا الفصل يؤدي إلى تعطيل السؤال الجوهري: هل هذا الفعل يساهم في تفكيك الهيمنة أم يعيد إنتاجها؟ الماركسية لا تقيس الأخلاق بمعزل عن البنية ولا تفصل القيم عن الشروط التاريخية التي تتشكل داخلها.
حين يُقال إن الجلوس داخل البرلمان كان بهدف إيصال الصوت للشعب، يبرز سؤال آخر أكثر حدة: أي شعب يُخاطَب من داخل مؤسسة محكومة بقوانين السلطة ومحروسة بأجهزتها الأمنية ومصممة لمنع أي تحول فعلي؟ الصوت الذي يُسمح له بالوصول في هذا السياق هو صوت مضبوط، مراقَب، محدود الأثر. الصوت الذي يتجاوز هذا السقف يُقمع أو يُفرَّغ من مضمونه. المشاركة هنا لا تفتح أفقاً جديداً للوعي لكن تعيد توجيهه داخل قنوات آمنة للنظام.
هذه الإشكالية تعود للظهور في الخطاب المعاصر حول اللقاءات الخدمية مع وزراء السلطة القائمة. يتم تقديم هذه اللقاءات بوصفها ضرورة إنسانية، مع التأكيد على عدم وجود نية سياسية. غير أن نفي النية لا يلغي الأثر الموضوعي. الفعل السياسي لا يُقاس بما يعلنه الفاعل عن نفسه وإنما بما ينتجه داخل شبكة العلاقات القائمة. حين يتعامل حزب يحمل تاريخاً ثورياً مع جهاز سلطوي، دون تفكيك علني لطبيعته، ودون ربط التدخل الخدمي بنقد بنيوي للسلطة، يتحول هذا الفعل إلى جزء من آلية الاحتواء.
السلطة، في هذه الحالة، تستفيد مرتين. تستفيد أولاً من تخفيف الضغط الشعبي عبر وعود إدارية، حتى وإن لم تُنفَّذ. وتستفيد ثانياً من إظهار نفسها كجهة قابلة للتواصل، تمتلك قنوات مع قوى معارضة تاريخياً. هذا الشكل من التواصل لا يضعف السلطة وإنما يمنحها هامش مناورة إضافياً. الواقعية التي لا ترى هذه النتائج تظل واقعية ناقصة أو واقعية انتقائية.
الماركسية تشدد على أن الفعل الثوري لا يُقاس بحسن النوايا ولا بمدى القرب من معاناة الجماهير وحدها، لكن تقاس بقدرته على تحويل هذه المعاناة إلى وعي والوعي إلى تنظيم والتنظيم إلى قوة قادرة على كسر البنية القائمة. حين يُختزل الفعل في إدارة الأزمة، دون مساءلة شروط إنتاجها، يتحول الحزب من فاعل تغييري إلى وسيط بين الجماهير والسلطة. هذا الموقع الوسيط قد يبدو إنسانياً في ظاهره لكنه سياسياً يعمّق الاغتراب، لأنه ينقل الصراع من مستوى البنية إلى مستوى الطلبات.
بهذه الطريقة، تصبح الأخلاق نفسها أداة إشكالية. الأخلاق التي تُفصل عن التحليل الطبقي تتحول إلى غطاء ناعم لإعادة إنتاج الواقع. الخدمة التي لا تُربط بنقد الهيمنة تُفرغ من بعدها التحرري. المشاركة التي لا تُشترط بتغيير ميزان القوى تتحول إلى حضور رمزي، يستهلك طاقة التنظيم، ويضعف قدرته على بناء بدائل مستقلة.
ما نريد تأكيده أن مأزق الحزب الشيوعي السوداني لا يكمن في خطأ عابر، ولا في موقف معزول، وإنما في تصور متراكم للسياسة، يخلط بين الواقعية والتكيّف، وبين الأخلاق والتبرير. هذا التصور يحتاج إلى مراجعة جذرية، لا عبر إنكار التاريخ ولا عبر تمجيده، لكن عبر إخضاعه لتحليل صارم، يعيد الاعتبار للجدلية بين الوعي والفعل، وبين الموقف والموقع الطبقي.
في الحلقة القادمة سيتم الانتقال إلى تفكيك مفهوم المعارضة الدستورية وحدود العمل داخل أطر صاغتها السلطة، مع قراءة لفكرة الشرعية، ولمعنى أن تكون معارضاً داخل نظام يقوم على نفي السياسة نفسها.