“كيزانوفوبيا”: محاولة لتجريم الذاكرة وإعفاء الجريمة

 “كيزانوفوبيا”: محاولة لتجريم الذاكرة وإعفاء الجريمة

 

أواب عزام البوشي

أثار حديث خالد عمر يوسف حول ما يُسمّى بـ«الكيزانوفوبيا» نقاشًا يتجاوز الأشخاص إلى جوهر الأزمة السودانية نفسها: كيف يُعاد تعريف الذاكرة الجمعية بوصفها عيبًا، وكيف يُحوَّل الخوف المشروع من منظومة حكم سابقة إلى تُهمة أخلاقية أو نفسية.
تُستخدم عبارة «إنتو عندكم مشكلة مع الكيزان» في الخطاب العام بوصفها أداة تبسيط مُخلّة، تهدف إلى نزع الطابع البنيوي عن تجربة حكم امتدت ثلاثين عامًا، واختزالها في خلاف سياسي عابر أو خصومة أيديولوجية.
هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن موقف قطاعات واسعة من السودانيين لا ينبع من كراهية تنظيم بعينه، بل من تجربة تاريخية موثقة مع دولة استُخدمت ضد شعبها.
حكم الكيزان لم يكن مجرد إدارة سيئة أو فشل سياسي قابل للتجاوز، بل كان نموذجًا متكاملًا لاحتكار السلطة، جرى فيه دمج الحزب بالأجهزة الأمنية، وتسييس القضاء، وتوظيف الدين لتبرير القمع.
التعذيب، الفصل التعسفي، التشريد، الحروب الأهلية، والفساد المنهجي لم تكن انحرافات فردية، بل سياسات مُقنَّنة.
ومنذ اللحظة التأسيسية لذلك الحكم، التي مثّلها اغتيال الطبيب علي فضل تحت التعذيب دون مساءلة، تشكّل نمط واضح: الإفلات من العقاب كجزء من بنية السلطة.
من هذا المنظور، يصبح توصيف الخوف من الكيزان بوصفه «فوبيا» قلبًا للوقائع.
ففي العلوم السياسية والاجتماعية، يُعدّ الخوف الجماعي من منظومة عنف سابقة أحد مكوّنات الوعي ما بعد الصدمة، وليس دليلًا على اختلال إدراكي.
المجتمعات التي عاشت تجارب استبداد طويلة لا تتعامل مع الماضي بوصفه ذكرى محايدة، بل كعامل مؤثّر في حاضرها ومستقبلها السياسي.
الأخطر في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بتجريم الذاكرة، بل يسهم في تبرئة المسؤولية التاريخية.
فحين يُختزل كل شيء في «حساسية ضد الكيزان»، يتم تجاهل السؤال الجوهري: من الذي عطّل مسارات الانتقال المدني؟
من الذي قاوم أي صيغة للعدالة الانتقالية؟
ومن الذي أعاد إنتاج شروط العنف عبر إشعال حرب مدمّرة أعادت البلاد إلى نقطة الصفر؟
الواقع يشير إلى أن نفس البنية الفكرية والتنظيمية التي أدارت الدولة سابقًا، لعبت دورًا مركزيًا – مباشرًا أو غير مباشر – في دفع البلاد نحو الحرب، ليس دفاعًا عن الدولة أو السيادة، بل في محاولة لاستعادة النفوذ السياسي الذي فقدته بعد ثورة ديسمبر.
وهو ما يفسّر إصرار قطاعات واسعة من السودانيين على رفض أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها تفكيك منظومة الإسلام السياسي ومحاسبة رموزها.
بناءً عليه، فإن القول بوجود «مشكلة مع الكيزان» لا يعكس حقيقة المشهد.
ما يوجد فعليًا هو صراع بين الذاكرة والنسيان، بين من يرى أن الاستقرار يمر عبر تجاوز الماضي دون مساءلة، ومن يدرك أن أي سلام لا يقوم على الاعتراف والمحاسبة، سيظل سلامًا هشًا وقابلًا للانهيار.
الخوف من عودة منظومة جرّبت العنف وأفلتت من العقاب ليس فوبيا، بل قراءة عقلانية للتاريخ.
وفي السياق السوداني، يمكن القول إن هذا الخوف يمثّل أحد أشكال الوعي السياسي الذي تشكّل بثمن باهظ، ولا يمكن شطبه بخطاب تسطيحي أو توصيف ساخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.