حمااااامة قومي لىْ فوق: قليلٌ من الحرّية..قليلٌ من الحب..أيكفيك؟
كنوز محبّة
حمااااامة قومي لىْ فوق:
قليلٌ من الحرّية..قليلٌ من الحب..أيكفيك؟
عبد الحفيظ مريود
كنتُ أسيرُ، عصراً، فى “شارع فيسبوك”، فى جوبا الحبيبة، باتّجاه “موقف يىْ”. كانت الأمطارُ قد توقّفتْ للتوّ. الأرضُ بليلةٌ والهواءُ لطيف. ممسكاً بمسبحةٍ فاخرةٍ أهدانيها د. محمّد دفع الله. الأستاذ بجامعة السُّودان، والفنّان المبدع، إبن شقيق الفنّان بادى محمّد الطيّب. على الطرف الآخر من الشارع الأسفلتى، فى مقهىً مطلّ على الشّارع، كان يجلسُ د. أبكّر آدم اسماعيل. الروائيّ، المثقّف، والمترجم المعروف. قطع الشارع وتسالمنا. فى أثناء السؤالات الروتينيّة، قال لى، متهكّماً، ساخراً، مداعباً :” نحنا – طبعاً – المتمردين القُدَام”. تبادلنا الأرقام، وافترقنا. أكملتُ طريقى إلى الفندق. الوقتُ رمضان، والفطور يوشكُ. سيكونُ علينا – عادل فارس وزوجته الفاضلة الجميلة، أميرة النّحويّ – أنْ نتدبّر، نتفاكر فى أمر الإفطار. بعدها سنذهبُ، بالطّبع، لنلعبَ “الحريق”، مع شلّةٍ ظريفةٍ من السُّودانيين الشماليين، أصدقاء عادل.
كان قد مرَّ على حرب 15 أبريل 2023م عامٌ كاملٌ. يا للهول. فقد أصبحتُ “متمرّداً”. يا للبهاء، إذن.
سيكونُ علىَّ أنْ أملأ رئتىَّ بهواء الحرّية. أنْ أسيرَ حثيثاً باتّجاه الأنوار المقدّسة. لكنْ بعيداً عن الفلسفات، المغالطات، المثاقفات حول (على مَنْ تمرّدنا؟ ومَنْ أعطاه الحقّ فى أنْ نطيعه؟)، يتوجّبُ أنْ أقف عند الشعور الجميل بالحرّية. أنْ تخاصمَ نظاماً. أنْ تتحرّكَ بعيداً عن الرّسن، قبل أنْ تكسره، تماماً. ماذا ستخسر؟ هل ثمّة خسارات، بالأساس؟ هل هناك شيئٌ باهظٌ فى مقابل أنْ تستقبلَ الأنوار الجليلة لانعتاقكَ من كونك مجرّد “رقم وطنىّ” سيتجرى إعادةُ توزيعك على الطّاولة القديمة المتهالكة؟
كان راعى الإبل، تاجر الإبل، تاجر الحمير – كما يحبُّ البلابسة أنْ ينادونه – “كوكاب النّايط” – كما يحبُّ أنْ يسمّيَه الفاضل الجبورىّ، محمّد حمدان دقلو قد صعدَ سريعاً إلى القصر الجمهوريّ. صارَ رقماً مهمّاً فى سودان ما بعد ثورة ديسمبر. ما الذى جعله يرفس كلَّ ذلك، ويخوضُ حرباً لم يسبق للسُّودان خوضها؟ ماذا سيخسر إذا قال (نعم..أنا أرفضُ الاتّفاق الإطاري، وسأذهبُ إلى حيثُ سيقودنا إنقلابُ 25 أكتوبر). ماذا سيخسرُ (الصُفُر الرُّقاق” الذين قدّموا، ويقدّمون أرواحهم رخيصةً؟
شايف كيف؟
ثمّة لحظةُ دافئة..ناصعة الوضوح..باسقةُ الشَّوْفِ، عليكَ أنْ تقبضَ عليها. لحظةٌ ممتلئةٌ بالحياة. إذا تغافلتَ عنها، رجفتْ يداك، فرَّ قلبُك، سيكونُ عليكَ أنْ تعيش من تبقّى من عمرك فى ظُلُمات النّدامة، ولاتَ حين مندمٍ. حين تقبضُ عليها ستتسعُ خطواتُك على طريقٍ جديد، مختلفٍ، ساطعةٍ أنوارُه.
إذن..
فلنتمرّد..
على أىّ شيئ؟ على مَنْ؟
كنّا – لفرط جهلنا – نصدّقُ أنَّ د. جون قرنق متمرّد.
سيكونُ سؤالُك الغبىُّ لنفسكَ : ما الذى ينقصُه وهو ضابطٌ عظيم بالجيش السُّودانىّ، ومحاضر بكليّة الزراعة بجامعة الخرطوم؟ لماذا يغادرُ الرّجلُ وضعاً آمنا مثل هذا؟
لكنْ هل سيكونُ الأمانُ كلَّ شيئ؟ ولماذا تبحثُ عن أمانك الخاص، الشّخصىّ؟ فيما يمكنُ لطواحين الألفة والعاديّة أنْ تطحنَ ملايين الأحلام؟ أنْ تطحن – حرفيّاً – ملايين الأشخاص؟ بسبب أنَّ (الأمور بتمشى كدا). سيكونُ عليك الموازنة بين الأمان..الوضع الجيّد..أو البحث عن زلزالٍ يعيد ترتيب العوالم.
هل ما أخرج الشّبابُ فى ثورة ديسمبر، يواجهون الموت هو قطعة الخبز؟
هل نستطيعُ أنْ نرى الدّوافع المتراكبة التى تحرّكُ الجموع البشريّة وهى تخطو فى طريق الموت ليملأ ضوء الشمس أعينها؟ هل تستطيع أنْ تتغافل عن إرادات صارمة يتوجّبُ عليها أنْ تنجز التأريخ؟
السكون والأمان ليسا نهاية الطّريق.
ليستِ الغايةُ أنْ تكون عاديّاً. ثمّة ما هو أبعد من بيتك، جيرانك، أهلك، عالمك المألوف. وهو يستحق التضحيات الجسام.
بالنّسبة لهم، يظنُّون أنَّ صفات يطلقونها عليك ستخصمُ منك..ستحدّدُ “هويّتك”، مثل (متمرّد..مليشى..جنجويدى..شتات غرب إفريقيا..ود الضّيف..المقمّل..مرتزق..أم كعوك..ألخ).
لكنّها، فى الواقع، ستكشف عن هزيمتهم.
وكما غنّى الفنّان إبراهيم إدريس..الشّهيد:
الطيران بضربْ بزقّلْ
والبخافْ الموتْ، يقبّل
هل تخشى الموت؟ الذبح كالشّاة؟ القبض عليك؟التنكيل بأسرتك؟ الفصل من الخدمة؟ مصادرة بيتك؟ ماهى مخاوفك، بالتّحديد؟ِ
حباب التمرّد الأغبش.
ومرحباً بالأنوار.
شتشرقُ الشمس. غرباً، شرقاً، جنوباً وشمالا.
ستشرقُ شمسُ البنى عامر والهدندوة، قريباً.
هل تحبُّ البنى عامر؟
شايف كيف؟