الذهب وقود الحرب في السودان

 الذهب وقود الحرب في السودان

مجاهد بشرى

يتمتع السودان باحتياطيات ضخمة من الذهب، ويُصنف كواحد من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا ومع ذلك، فإن السمة الأبرز لهذا القطاع هي الفجوة الهائلة بين حجم الإنتاج الفعلي والكميات المُعلنة رسمياً. وفقاً لبيانات وزارة المعادن السودانية للفترة من 2019 حتى يونيو 2022، لم يتجاوز إجمالي إنتاج الذهب 156 طناً، منها 58 طناً فقط ناتجة عن التعدين المنظم في قطاع الشركات. هذا التناقض يشير بوضوح إلى أن غالبية الإنتاج يتم تحويله خارج القنوات الرسمية، مما يمثل تحدياً هائلاً للرقابة، أو بتعبير أدق، بيئة مثالية للتهريب.

ويكتسب الذهب السوداني جاذبية إضافية في الأسواق العالمية بسبب نقائه العالي جداً، حيث يحتوي كل طن من الخام المستخرج على نحو 100 جرام من الذهب. هذه الجودة تجعله سلعة عالية القيمة ومطلوبة بشدة، مما يسهل عمليات بيعه وتبييضه في الأسواق الدولية بسرعة فائقة، الأمر الذي يدعم قدرة الشبكات العسكرية على تحويل المورد الخام إلى سيولة نقدية دولية فورية.

 

السيطرة على هذه الثروة الوطنية غير المُعلنة هي في صميم آليات تمويل الجيش السوداني. تؤكد التقارير أن ما يصل إلى 90% من ذهب السودان يقع تحت سيطرة مباشرة لشبكة القيادة المرتبطة بالبرهان وتنظيم الإخوان المسلمين، هذا لا يعني مجرد المنافسة على الموارد، بل يمثل استغلالاً مؤسسياً مُنظماً لثروات البلاد لخدمة أغراض عسكرية خاصة.

أحد أوضح المؤشرات على تحويل الثروة إلى يد القيادة العسكرية هو التراجع الكبير والملاحظ في كميات الذهب التي يتم تحويلها إلى البنك المركزي السوداني. هذا التراجع ليس عرضاً لضعف الرقابة، بل هو دليل قاطع على أن الجيش يتعامل مع الذهب كاحتياطي مالي خاص به، بعيداً عن أي تدقيق حكومي أو دولي. إن الهدف من تحويل هذه الثروة بعيداً عن خزائن الدولة هو منح القيادة العسكرية استقلالية مالية كاملة لتمويل مشترياتها العسكرية السرية.

بالإضافة إلى التحكم في الشركات والمناجم التقليدية، تُظهر الأدلة استخدام الجيش لمناطقه العسكرية المغلقة لأغراض التعدين والتهريب . يتم استغلال مناطق مثل الفرقة الثالثة كنقاط محصنة لتعدين الذهب، مما يحقق هدفين استراتيجيين: أولاً، تأمين مواقع الإنتاج بشكل كامل من أي تهديدات أو سيطرة من أطراف منافسة. ثانياً، استخدام البنية التحتية العسكرية، مثل الطرق والمطارات الخاصة، لتسهيل عمليات التهريب مباشرة من داخل القواعد إلى دول الجوار . هذا الاستخدام المزدوج للأصول العسكرية يؤكد الطبيعة المتجذرة للنشاط غير المشروع داخل الهيكل المؤسسي للجيش.

 

إن استمرار حالة الحرب والفوضى المصاحبة لها يمثل بيئة مثالية لاستمرار سرقة كنوز السودان من قبل شبكة البرهان. فالحرب توفر غطاءً لـ “استغلال النفوذ العسكري” للتحكم في مناطق التعدين والحدود، مما يمكن الشبكات المرتبطة بالجيش من تجاوز القنوات الرسمية في إنتاج وبيع وتهريب الذهب.

الذهب يمثل إذاً حافزاً مادياً للحرب. فما دام هذا المورد المالي مستداماً وبعيداً عن العقوبات، فإنه يمول رفض البرهان وكبار القادة لأي مبادرات سلام تهدف إلى وقف الحرب. إن العلاقة السببية واضحة: المورد المالي الضخم الذي يقدر بـ 1.5 مليار دولار سنوياً يُطيل أمد النزاع عمداً لضمان استمرار سيطرة القيادة العسكرية على هذه الإيرادات.

 

تجدر الإشارة إلى التناقض المنهجي في موقف وزارة المعادن السودانية. فبينما أقرت الوزارة بأن التهريب هو أحد أكبر التحديات التي تواجهها ، سارعت في الوقت ذاته إلى التشكيك في تقارير دولية حول حجم الذهب المفقود، واصفة إياها بأنها تحتوي على معلومات “مغلوطة”. هذا النفي لحجم التهريب من قبل جهة حكومية تُفترض أنها تحت سيطرة الجيش، يمكن تفسيره على أنه محاولة مؤسسية لتوفير غطاء حماية لشبكة التهريب التابعة للقيادة العسكرية نفسها. هذا الفعل يزيد من صعوبة تتبع التدفقات المالية بشكل قانوني ويؤكد التواطؤ على مستوى الدولة في النشاط غير المشروع.

 

تعتمد شبكة الجيش على آليات لوجستية محكمة لتجاوز القنوات الرسمية. وقد أظهرت التقارير تورط كيانات أجنبية، أبرزها فاغنر الروسية، في المساعدة على تهريب الذهب. حيث أشارت مصادر سودانية رسمية إلى أن أكثر من 16 رحلة جوية روسية عملت على تهريب الذهب السوداني مقابل توفير الأسلحة والتدريب للجيش. هذا التورط يثبت وجود نموذج “الذهب مقابل السلاح” الذي يتم تنفيذه بشكل مباشر عبر النقل الجوي غير القانوني.

بالإضافة إلى ذلك، فإن “استغلال النفوذ العسكري” للتحكم في مناطق الحدود  يسهّل خروج شحنات الذهب الخام دون تفتيش أو تسجيل جمركي. هذا التحكم في نقاط العبور يضمن التدفق المستمر وغير المنقطع للذهب خارج السودان، بعيداً عن أي محاولات للقبض عليه أو مراقبته.

3.2. دور الجوار الإقليمي كبوابة عبور وتبييض

يمر الذهب المهرب من السودان عبر شبكة من دول الجوار قبل الوصول إلى الأسواق العالمية. وتشمل هذه الدول كينيا وأوغندا وتشاد، ولكن التحليل يركز بشكل خاص على مصر كقناة تبييض حرجة ذات أهمية استراتيجية للشبكة التابعة للجيش السوداني.

 

تشير البيانات المتاحة لعام 2023 إلى أن مصر كانت مساراً لنحو 50.1% من الذهب السوداني المهرب. يتم نقل هذا الذهب الخام إلى دول الجوار، حيث يخضع لعمليات “غسيل”. تتضمن هذه العمليات عادة تذويب الذهب أو إعادة تصنيعه، وهي خطوة حاسمة للحصول على شهادات منشأ جديدة ونظيفة. هذه الشهادات تزيل عنه صفة “ذهب الصراع” (Conflict Gold) وتسمح بإدخاله إلى سلاسل الإمداد العالمية المشروعة، خاصة في مراكز التداول الكبرى.

 

يُظهر الرصد الدقيق للبيانات التجارية المصرية وجود شذوذ (Anomaly) في صادرات الذهب المصرية يتزامن مباشرة مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. ارتفعت صادرات مصر من الذهب بنسبة 77.7% في العام الماضي. هذا الارتفاع ليس مجرد نمو طبيعي، بل هو قفزة قياسية غير مبررة بمعدلات الزيادة في الإنتاج المحلي المصري، مما يشير إلى أن مصدر هذا الحجم الهائل من الذهب مصدره خارجي.

لقد تجاوزت صادرات مصر من الذهب ملياري دولار في شهرين فقط ، وهي قيمة هائلة تؤكد وجود تدفقات سريعة ومركزة للذهب. هذه الأرقام، المقترنة بالبيانات التي تظهر استمرار دور مصر كأكبر قناة عبور للذهب السوداني (50.1% من المهرب في 2023) ، ترسم صورة واضحة للاستغلال المنهجي للهياكل التجارية المصرية.

 

إن تزامن الارتفاع الهائل في الحجم المطلق للصادرات المصرية (+77.7%)  مع الاستقرار النسبي لحصة مصر كمعبر للذهب السوداني (50.1%)  يدل على أن الشبكات التابعة للجيش السوداني استغلت البنية التحتية التجارية القائمة في مصر لتصعيد عملياتها. لقد تضخمت قناة التهريب المصرية بشكل كبير لاستيعاب الارتفاع في حجم الذهب الذي أصبح تحت السيطرة الكاملة للقيادة العسكرية السودانية في ظل فوضى الحرب.

يتمثل الدور الحيوي لمصر في شبكة التبييض في منح الذهب المهرب “جنسية تجارية” جديدة. فالذهب الخام الخارج من السودان يفتقر إلى شهادات المنشأ النظيفة، وهي ضرورية لدخوله الأسواق الرسمية. وعندما يتم نقله عبر مصر وإعادة تصديره، خاصة إلى مركز التداول العالمي ، فإنه يصبح مقبولاً في سلاسل الإمداد الدولية. يؤكد هذا المسار المالي المعقد أن مصر ليست مجرد معبر عابر، بل هي حلقة حيوية وأساسية لتبييض الذهب وتمويل الجيش السوداني.

 

إن استغلال الهياكل التجارية الإقليمية بهذه الطريقة يدل على أن الشبكات الإجرامية التابعة للجيش استطاعت تحويل مورد الذهب من أصل وطني إلى أداة حرب تخدم مصالحها. وهذا يعني أن أي جهود للعقوبات يجب أن تتجاوز نقطة المنشأ (السودان) وتستهدف مراكز التبييض والتداول التي تمنح الذهب قيمة شرعية.

 

تسمح عائدات الذهب التي تبلغ 1.5 مليار دولار بإنشاء ميزانية حرب موازية ومستقلة تماماً عن نظام المشتريات العسكرية التقليدي. هذه الميزانية تمنح القيادة العسكرية استقلالية تشغيلية كاملة، حيث يمكنها تحويل الذهب المُبيض إلى عملة صعبة لتمويل صفقات الأسلحة الأكثر حساسية وتعقيداً.

وقد ركز الجيش السوداني بشكل خاص على الحصول على مشتريات استراتيجية نوعية ضرورية لقلب موازين القوى في الصراع الداخلي وتوفير غطاء حماية استراتيجي. وتشمل هذه المشتريات المسيرات، والأسلحة الكيماوية، وأنظمة الدفاع الجوي. إن استخدام الذهب كعملة دولية لتأمين هذه الأسلحة يؤكد أن الذهب هو العامل الحاسم في استدامة القدرة الهجومية والدفاعية للجيش.

 

لعبت روسيا، من خلال وكلائها وكياناتها الأمنية، دوراً محورياً في تمويل الجيش السوداني في نموذج المقايضة. تشير التحقيقات إلى تورط شركة فاغنر الأمنية او ما يعرف حاليا بالفيلق الافريقي (المرتبطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين) في استخراج وتهريب الذهب من مناطق واسعة في السودان، وفي المقابل قدمت فاغنر الأسلحة والتدريب للجيش. هذا يوضح نموذج المقايضة المباشرة: الذهب الخام مقابل دعم عسكري فوري وخدمات أمنية.

وتؤكد الوثائق الاستقصائية التي كشفت عن روابط بين شركات عسكرية سودانية وشخصيات روسية ، الطبيعة المؤسسية لهذه المقايضات.

الأكثر دلالة على اعتماد الجيش السوداني على الذهب كضمان جيوسياسي، هو العرض الذي قدمه لروسيا لمنحها عقود تعدين طويلة الأجل لمدة 25 عاماً في مقابل الحصول على أنظمة دفاع جوي وأسلحة أخرى . لا تمثل هذه الصفقة مجرد معاملة تجارية، بل هي رهن للسيادة السودانية على مواردها الطبيعية لضمان استمرار الدعم العسكري من قوة عظمى. الجيش يستخدم الثروة الوطنية كضمان طويل الأجل (Geopolitical Collateral) لتمويل احتياجاته العسكرية الفورية، مما يؤكد القيمة الاستراتيجية والقصوى للذهب كأداة للمساومة الدولية وتأمين البقاء العسكري.

 

إضافة إلى المحور الروسي، تشير البيانات إلى استخدام العائدات النقدية من الذهب المهرب (1.5 مليار دولار) لتمويل مشتريات نوعية من إيران وروسيا وتركيا، وتحديداً المُسيرات والأسلحة الكيماوية .

إن عائدات الذهب توفر للجيش السوداني المرونة المالية اللازمة لتنويع مصادر تسليحه. بالنظر إلى حاجة الجيش لأنظمة دفاع جوي (والتي تُفترض روسيا مزوداً رئيسياً لها) وتقنية مسيرات فعالة (والتي تُفترض إيران مزوداً بارزاً لها)، فإن الذهب هو العملة الوحيدة القادرة على فتح الأبواب أمام هؤلاء الموردين، وخاصة أولئك الذين قد يتجنبون التعامل عبر التحويلات المصرفية التقليدية خوفاً من العقوبات الدولية. هذا التنويع في مصادر السلاح، المدعوم بعائدات الذهب، يمنح الجيش ميزة استراتيجية ويحصنه ضد محاولات الخنق المالي.

 

لم يعد الذهب السوداني مجرد ثروة وطنية تُهدر، بل تحول إلى بنية تحتية مالية غير رسمية ومؤسسية، تضمن استمرارية واستدامة العمليات العسكرية للجيش السوداني. إن عائد الـ 1.5 مليار دولار سنوياً يُعد شريان حياة حاسماً يسمح للقيادة العسكرية بالعمل دون الحاجة إلى الاعتماد على الدعم المالي التقليدي أو القبول بالإملاءات الدولية.

إن هذا الاعتماد المباشر على الذهب يعني أن الحافز على التخلي عن السيطرة على مناطق التعدين أو القبول بوقف إطلاق نار دائم يكاد يكون معدوماً. فالسلام يهدد بقطع تدفق هذه العائدات الهائلة والمباشرة، بينما استمرار الفوضى يضمن الحفاظ على السيطرة العسكرية على الإنتاج والتهريب. الذهب، في هذا السياق، هو السبب الجوهري الذي يحول دون حل سياسي للصراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.