من سيرته ومسيرته وسريرته … “ياسر العطا” والإفصاح عما أريد “إخفاؤه” جراء طموحه (1-2)

 من سيرته ومسيرته وسريرته … “ياسر العطا” والإفصاح عما أريد “إخفاؤه” جراء طموحه (1-2)

 

طلب ياسر العطا من شخصيات دستورية نافذة في النصف الأول من يونيو 2021م التواصل مع رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك لمنح قيادة الجيش ضوء أخضر لشن حرب خاطفة ضد الدعـ م السريع لن تستغرق سوي ساعات وهو الأمر الذي أحهضه وأحبطه المدنيون

 

بقلم: ماهر أبو جوخ

 

* تمهيد أول*

 

نشرت صحيفة (ديسمبر) في عددها رقم (31) على صفحتين مقال لشخصي بعنوان (من من سيرته ومسيرته وسريرته … “ياسر العطا” والإفصاح عما أريد “إخفاؤه” جراء طموحه) تعليقاً على ما ذكره مساعد قائد الجيش في الاسبوع الأخير بالابيض وبناء على استفسارات وردت حول المقال المذكور وطلب نشره في صفحتي بالفيسبوك أو تداوله عبر الواتساب ونسبة لاختلاف طريقة الكتابة المستخدمة في الصحيفة وبين التداول والنشر بمنصات التواصل الاجتماعي رأيت تقسيمه على اثنين لتسهيل التداول والاطلاع دون إجراء اي تغيرات عليه بهدف تسهيل التداول والاطلاع، وأدناه أقوم بنشر الجزء الأول من المقال.

 

+++

 

استمعت لتصريحات لمساعد القائد العام للجيش بالسودان الفريق أول ركن ياسر عبدالرحمن العطا في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي بحاضرة ولاية شمال كردفان “الأبيض”، ضمن حديثه في حشد شعبي أهلي من مناصري الحرب بالولاية. وخلال ذلك اللقاء أعاد “ود العطا” تكرار كثير من أحاديثه السابقة المعلومة سيما منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، والتي تمثل في جوهرها ومضمونها “مجاهرة واضحة برفض أي انتقال مدني ديمقراطي حقيقي بالبلاد”. لكن الجديد هذه المرة أن الرجل أورد قوله بتأكيدات أكثر وضوحاً وسفوراً مما سبق، وبذلك فإنه فعلياً تحدث بقول وأفصح ما حاول إخفاءه دهراً طويلاً.

 

بداية أستميح الزملاء الأعزاء في صحيفة (ديسمبر) بأن المقال سيطول للتعليق على الرجل وما أورده، بسبب الإشارة لبعض المعلومات والوقائع والحقائق التي اقتضى نشرها والتطرق إليها دونما القفز عليها، بغرض استغلال هذه السانحة لتوثيقها ونشرها، والتي جمعتها من مصادر حاضرة وشاهدة للأحداث، حتى تقدم الصورة كاملة للمشهد الحالي عبر ربطه بجزئيات في الماضي ذات دلالات مباشرة ومفضية لنتائجه الحالية.

 

جزء من السيرة

 

قبل التعليق على ما أورده الرجل وظل يقوله فمن الضروري تسليط الأضواء على بعض سيرته لفهم وتفسير مواقفه. فالعطا على عكس رصفائه العسكريين، الذين شكلوا المجلس العسكري الانتقالي في 13 أبريل 2019م من عشرة أعضاء، كان طموحه السياسي واضحاً للعيان، لذلك اختار أن يمضي صوب مسار مخالف لرصفائه العسكريين بتقديم نفسه الضابط العظيم المؤمن بالحكم المدني الديمقراطي، مستنداً على صلات أسرية خارج سياق المجموعات الإسلامية، إذ يمت بصلة قرابة مباشرة لعضو مجلس قيادة انقلاب 25 مايو 1969م  والمنفذ الفعلي لانقلاب 19 يوليو 1971م الرائد هاشم العطا.

 

واصل العطا في هذا الدور من خلال مواقفه السياسية وتصريحاته المساندة للثوار والثورة والتصدي للنظام السابق، بجانب تسريب مقربين منه “قصص وحكاوي” عن تعرضه للظلم ومحاولات الإقالة والإبعاد من الجيش بالإحالة للمعاش المبكر لولا تدخل شخصيات عسكرية نافذة خلال تلك الفترة، الذين أثنوا على قدرته القتالية التي أظهرها بجنوب السودان إبان العمليات العسكرية للجيش ضد الحركة الشعبية وجيشها الشعبي خاصة في تسعينيات القرن الماضي خاصة من قبل النائب الأول الفريق الزبير محمد صالح والعقيد إبراهيم شمس الدين. ولاحقاً أكد لي هذه الرواية الراحل الفريق طيار الفاتح عروة، وبالتالي فإن تلك الروايات الخاصة بمحاولات الإبعاد هي حقيقة لكنها أغفلت حقائق أخرى لاحقة شرحت أسباب الإبقاء على الرجل داخل منظومة الجيش رغم مناهضة الإسلاميين له ومحاولتهم إبعاده في فترة ما.

 

لماذا أبقاه البشير؟!

 

تقول الوقائع إن تعيين العطا ملحقاً عسكرياً في جيبوتي، بعد التوقيع على اتفاق السلام الشامل، مثل محاولة لإبعاد الرجل. إلا أن حدوث صراع بين البشير والمجموعات العسكرية المرتبطة بالتنظيم التي بدأت ملامحها تتنامي وتتصاعد منذ انتخابات 2010م جعلت البشير يفكر في تأمين نفسه بمجموعات “ذات ولاء عسكري شخصي”، وهذا ما دفعه لاختيار العطا قائداً للواء (14) مشاة الذي أدار المعارك العسكرية بولاية جنوب كردفان. وربطه تقرير نُشر في موقع إعلامي مقرب للإسلاميين في يونيو 2020م بالتورط في قيادة عملية غزو خارجي ضد قطر، حينما كان يتقلد قيادة قوات حرس الحدود. وطبقاً لما ورد في ذلك التقرير الذي لم ينكر معلوماته العطا حتى اليوم “فإنه التقى مدير مكتب البشير وقتها الفريق طه عثمان الحسين وأبلغه ثقة البشير الشخصية فيه ولذلك اختاره لهذه المهمة”. ومن المؤكد أن هذه الثقة هي التي وفرت الحماية للعطا من الإسلاميين الذين أصبحوا خصوماً غير معلنين للبشير بعد ارتفاع أصوات منهم تطالب بعدم ترشحه للرئاسة مجدداً.

ويقودنا ذلك لتفسير ما حدث لاحقاً بإبعاد شخصيات صارخة الانتماء للإسلاميين في فبراير 2019م من قيادة الجيش، والدفع بشخصيات أقل انتماءً أو بشكل أدق أكثر ولاءً للبشير في شخصه على سدة قيادة الجيش، من بينهم اللواء وقتها ياسر العطا الذي تمت ترقيته لرتبة الفريق وتكليفه بمهام إدارة العمليات في رئاسة الأركان البرية، وهو ما جعله من ضمن الضباط الذين دُفع بهم لعضوية المجلس العسكري الانتقالي بعد تنحية البشير في أبريل 2109، باعتبار أن الغلبة فيه كانت لضباط البرية والمشاة مقارنة بالتمثيل الرمزي للجوية والبحرية، وأضيف لها تمثيل رمزي للشرطة والأمن، قبل أن يتم إبعاد ممثلي الشرطة والأمن مع الفريق عمر زين العابدين بعد أيام من تكوين المجلس العسكري، استجابة لضغوط شعبية شديدة.

 

طُعم “الثلاثي”

 

لكن ما هي الصلة بين ما ذُكر عن إبعاد الثلاثي بود العطا في هذا السياق؟ الإجابة بسيطة وواضحة بأنه صاحب الدور والتواصل مع جهات مرتبطة بالقوى السياسية المدنية بطرق غير مباشرة، وقد أوصل لهم رسالة إبعاد الثلاثة من أجل تحقيق أهداف محددة أبرزها تعزيز وجوده ونفوذه في المجلس العسكري خاصة اللجنة السياسية التي كان يسيطر عليها عمر زين العابدين. أما الأمر الثاني فهو متصل بشق مستقبلي من خلال تقديم نفسه للقوى الشعبية بوصفه المناهض المقاوم للنظام السابق والحريص على الانتقال المدني الديمقراطي. وبالفعل فإن كثيراً من القيادات السياسية المدنية كانت تقول سراً ومرات علناً إن “العطا هو أكثر العسكريين التزاماً وايماناً بالانتقال المدني الديمقراطي ومواجهة الفلول والنظام السابق”.

 

لم يهدر الرجل الوقت، فشرع في الاستفادة من هذه الصورة التي تشكلت بفضل طُعم إبعاد الثلاثي من جهة، وفي ذات الوقت جعله ضمن مراكز القوى في التشكيل الجديد للمجلس العسكري. ترتب على ذلك تكليف العطا بشغل موقع نائب رئيس اللجنة السياسية للمجلس العسكري بعد إبعاد زين العابدين. ومن خلال وجوده في هذا الملف رسخ فكرة أنه “أقرب العسكريين لخيارات الشارع والأصدق في تنفيذ مطالبهم”.

 

المشاركة في التفكيك

 

تولى الرجل رئاسة لجنة التفكيك، ومن خلالها رسخ صورته كقائد للتيار الداعم للثورة والمصادم للنظام السابق، وهو ما أدي لرفع أسهمه وسط المجموعات الشبابية الثورية فخلق قبولاً ووجوداً وسطهم، عمّقه وعزّزه من خلال أذرعه الأمنية والاستخباراتية من خلال توليه مهام الإشراف والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

ولعل صلته بلجنة التفكيك تلك جلبت عليه غضبة النظام المباد الذي شرع في شن حملة على الرجل بنشر دوره في محاولة غزو قطر في يونيو 2020م –مهم ربط هذا التاريخ بالفترة التي شهدت تصعيداً شديداً في أنشطة لجنة التفكيك ضد عناصر وقيادات ومؤسسات النظام السابق- لكن في خضم هذا التطورات حدث أمر استوجب التوقف وهو التنازع بين لجنة التفكيك وقائد الجيش حول منشآت بالنيل الأزرق تم استردادها لصالح وزارة المالية ادعى البرهان أنها مملوكة للجيش. وبعد جدل حُسم الأمر لصالح قرار الاسترداد. يومها أعرب العطا في المؤتمر الصحفي للجنة عن حالة عدم رضا من هذا القرار، رغم تأكيده على التزام الجيش بالقرارات. أما الملاحظة الأبرز فهي انقطاع صلة العطا باللجنة بعد هذا المؤتمر الصحفي.

 

لا يعلم كثير من الناس أن مواجهة ومقاومة لجنة التفكيك وأنشطتها في المؤسسات الرسمية وصلت مرحلة النقاش والتداول حولها بشكل مستمر منذ تكوينها ومباشرتها لأعمالها. ومن بين محاولات قائد الجيش تقويضها المطالبة بإجازة قانون مفوضية الفساد، وبعد الإجازة طالب البرهان بحل لجنة التفكيك. إلا أن المكون المدني كان متحسباً لهذا الأمر، حيث أوضح وزير العدل نصرالدين عبدالباري أن إجازة قانون مفوضية الفساد أمر مختلف من التفكيك المنصوص عليه ضمن مهام الوثيقة الدستورية، وبالتالي تم إجهاض هذه المحاولة.

 

السيناريو الثاني لتقويض لجنة التفكيك كان توجيه الانتقادات الدائمة لها والضغط على رئيسها الفريق ياسر العطا الذي قرر الانسحاب منها وقدم استقالته منها وترك الرئيس المناوب محمد الفكي سليمان يخوض المواجهة وحيداً، حيث كان قائد الجيش يمارس ضغوطاً شديدة لدفع ود الفكي للاستقالة. لكن الأخير تمسك بموقعه في لجنة التفكيك باعتبارها أحد أهداف ومطالب الثورة. وسبق كل ذلك إعاقة لجنة الاستئنافات بواسطة رئيسها الفريق بحري إبراهيم جابر.

 

والمدهش أنه في ظل تعطيل لجنة الاستئناف المتعمد فإن قائد الجيش وعناصر المكون العسكري جأروا بالشكوى من غياب العدالة جراء الاستئناف المعطل من قبلهم. ولاحقاً بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021م شرع إبراهيم جابر في إلغاء كل قرارات لجنة التفكيك بإعادة الممتلكات والأشخاص بهمة عالية غير مسبوقة!!.. أما العطا فإن دوره بعد الاستقالة من رئاسة اللجنة جعلها مكشوفة في مواجهة نظرائه من العسكريين، وبذلك فإن المدنيين تحملوا الموقف المساند لعمل لجنة التفكيك والتي كان إجراء رفع الحراسة عنها الضوء الأخضر لتنفيذ انقلاب أكتوبر 2021م.

 

البيان الأول للحرب

 

يتذكر كثير من السودانيين والسودانيات مشاهد الكثبان الرملية في خلال النصف الأول من العام 2021م التي بدأت تحيط بالقيادة العامة قبل أن تتم تعبئتها بشكل أوضح في شكل جوالات ممتلئة بالرمل ووقتها اعتبر كثير من العسكريين الخبراء أن هذا مؤشر على وجود ترتيبات لمعارك حربية بين أطراف مسلحة. ومضى البعض للقول بأنها ضمن الترتيبات لمسألة وجود قوات تابعة للحركات الموقعة على اتفاق جوبا بالخرطوم.

 

من القلائل الذين كانوا يعرفون حقيقة هذا الأمر هو الفريق أول ركن ياسر العطا الذي التقى شخصيات دستورية نافذة وطلب منهم التواصل مع رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك –كان هذا الأمر تقريباً في النصف الأول من يونيو 2021م- وأبلغ رئيس الوزراء رسالة مفادها أن هناك أنشطة للدعم السريع تمثل مخاطر على الانتقال المدني الديمقراطي، وهو ما يتطلب وضع خطة وأخذ إذن لشن حرب خاطفة على الدعم السريع للقضاء على هذه المخاطر لن تستغرق سوي ساعات عند حدوثها، والأمر فقط يحتاج موافقة رئيس الوزراء على هذا الإجراء وتلك التدابير.

 

أصيب أولئك المدنيون وبعضهم من الدستوريين وآخرون من التحالف السياسي للحرية والتغيير بصدمة من هذا الأمر، وقرروا التدخل العاجل لوقف هذا الصدام ومنع هذه الكارثة التي كان يصر العطا في تبريراته بأنها “لن تستغرق سوى ساعات ويحسم الأمر”، في ما كانت تقديرات حمدوك والجهات الدستورية والحكومية المدنية أن إشعال الحرب أمر لا يمكن التنبؤ بمآلاته وتطوراته، والخيار الأفضل تدارك الأمر. ولتحقيق هذه الغاية عُقد اجتماع بمنزل حمدوك بمشاركة قائدي الجيش والدعم السريع وشخصيات دستورية مدنية، سعى فيه الطرفين العسكريين للحصول على دعم ومساندة المدنيين لتبرير حجته على الطرف الثاني، وبالتالي منحه مشروعية شن الحرب عليه. وحينما رفض المدنيون الانحياز لأيٍّ منهما، التقى الطرفان العسكريان في منزل حميدتي وقررا الاتفاق وإنهاء الخلاف والإطاحة بالانتقال المدني الديمقراطي الذي بدأ منذ تلك اللحظة وانتهى بانقلاب 25 أكتوبر 2021م.

 

على ذكر انقلاب 25 أكتوبر 2021م فإن العطا بعد هذا الانقلاب شرع في إجراء تحركات واتصالات مباشرة مع عدد من عناصر وأعضاء لجان المقاومة المرتبطين به ودوائره المختلفة، بغية إقناعهم بالانضمام ومباركة “الحركة التصحيحية” –اسم دلع الانقلاب- ورغم مشاركة بعضهم في لقاء تنويري بحضور البرهان والعطا إلا أن هذا اللقاء فشل في تحقيق هذا الأمر.

 

(نواصل في الجزء الثاني والاخير من هذا المقال).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.