لماذا دعا البرهان اليوم إلى العودة للعلم القديم… وما الذي يخفيه توقيت التصريح؟

 

 لماذا دعا البرهان اليوم إلى العودة للعلم القديم… وما الذي يخفيه توقيت التصريح؟

 

حسن عبد الرضى الشيخ

 

لم تكن دعوة عبد الفتاح البرهان، اليوم، إلى استبدال العلم الحالي بالعلم القديم ذي الألوان الثلاثة، مجرّد رأي عابر في مسألة رمزية. فالسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟ ولماذا يتذكّر البرهان فجأة علمًا تجاهلته المؤسسة العسكرية نفسها، حين طالبت به في أوج ثورة ديسمبر مجموعات شبابية وسياسية بحثًا عن رمز وطني بعيد عن إرث الإنقاذ؟ ما الذي تغيّر اليوم حتى يصبح العلم قضية ملحّة على لسان قائدٍ يترنّح سياسياً وعسكرياً؟

أولاً: يستخدم البرهان العلم كسلاح سياسي لا كرمز وطني، إذ يقرأ المراقبون تصريح البرهان الأخير كجزء من محاولةٍ سياسية مكشوفة لإعادة إنتاج خطاب قومي زائف، يقدَّم للناس في لحظة الضعف والانكشاف. فبدل أن يواجه حقيقة الفشل الذريع لمجلسه العسكري في إدارة البلاد، وفشله الأكبر في منع الحرب التي التهمت العاصمة، يلجأ الرجل إلى طرح قضايا رمزية بغرض حرف الأنظار وصناعة معركة جانبية.

ومثلما فعلت الأنظمة الشمولية سابقًا، يحاول البرهان استخدام العلم كسلاح خطابٍ يوحي بالثبات والشرعية، بينما واقع الأمر أن الدولة تتفكك أمام عينيه.

ثانيًا: لماذا لم يهتم الجيش بالدعوة نفسها حين صدرت من ثوار ديسمبر؟ ففي أيام الثورة المجيدة، رفعت مجموعات واسعة مقترح العودة إلى العلم القديم، ليس حنينًا للماضي، بل رغبة في التخلص من رموز ابتذلتها الإنقاذ التي ثبتت “العلم” بتزامن مع المشروع الحضاري.

عندها، لم يُعر قادة الجيش أي اهتمام للدعوة. بل كان موقفهم – ضمنيًا – حماية رموز النظام الذي كانوا جزءًا من بنيته. فكان استبدال العلم بالنسبة إليهم تهديدًا غير مباشر لسردية “المؤسسة الحامية”، وحتى آنذاك لم يكن البرهان ولا قادته مستعدين للتخلي عن إرث الإنقاذ أو الدخول في أي نقاش حول رموزه.

اليوم، إذ يطرح البرهان الفكرة نفسها التي تجاهلها بالأمس، فهو لا يفعل ذلك من موقع الثبات، بل من موقع المناورة والاضطراب.

ثالثًا: التوقيت مريب. و“هاجس التقسيم” يطارد البرهان حيث جاء التصريح في لحظة يواجه فيها البرهان اتهامات واسعة – داخلية وخارجية – بأنه يهيّئ لسيناريو تقسيم السودان، سواء عبر الفشل المتعمّد في حماية المدن وولايات السودان، أو عبر الخطاب الجهوي الذي ينتجه محيطه السياسي، أو عبر ترك البلاد تتصدع حتى تفرض الجغرافيا نفسها حلولاً كارثية.

في هذا السياق، يصبح طرح “علم جديد/قديم” محاولة لإعادة رسم مركزية الدولة على الورق، في الوقت الذي تنهار فيه على الأرض.

العلم هنا يُقدَّم كإعلان ولاء رمزي لوحدة السودان، كأنما يريد البرهان القول: “كيف أُتَّهم بالتقسيم وأنا أدعو لعلمٍ قومي قديم؟”.

لكن هذه المناورة لا تنطلي على أحد، لأن رمزية العلم لا تسبق الواقع، ولا يمكن لطلاءٍ لونيّ أن يوحّد بلادًا مزّقتها حرب قادها الرجل نفسه.

رابعًا:هل للدعوة علاقة باستخدام تحالف تأسيس والدعم السريع للعلم الحالي؟

بالتأكيد.

فالعلم الحالي – علم ١٩٧٠ – يُستخدم اليوم في مناطق واسعة تحت سيطرة الدعم السريع، وفي فعاليات “تحالف تأسيس” وبعض المجموعات المدنية المناهضة للمجلس العسكري.

وهذا الاستخدام منح العلم في الوعي السياسي الراهن شحنةً جديدة لم تكن موجودة سابقًا: أصبح في نظر البرهان رمزًا “للطرف الآخر”.

وبدل أن يتصرف كرجل دولة يحترم الرموز الوطنية، يتعامل البرهان بمنطق المكايدة:
إذا رفع خصومي العلم الحالي… فسأبحث عن علم آخر أرفعه في مواجهتهم.

وهكذا يهبط مستوى النقاش الوطني إلى أدنى درجات التشظي الرمزي.

خامسًا: هذه أزمة خطاب تكشف أزمة شرعية، ولا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليكتشف أن تصريحات البرهان ليست سوى محاولة يائسة لترميم شرعيةٍ تتآكل كل يوم. فالرجل الذي فقد السيطرة على العاصمة، وفقد ثقة غالبية الشعب، ويفقد حلفاءه بالتدريج، يبحث عن أي معركة رمزية يستطيع من خلالها خلق “وهم القيادة”.

فبدل أن يجيب عن الأسئلة الحقيقية: لماذا اندلعت الحرب؟ ولماذا استمرت بهذا الشكل؟ ولماذا انهارت الدولة؟ يفضّل أن يتحدث عن… ألوان العلم.

خاتمة: فليعلم البرهان أن العلم لا يُغيّر واقعًا صنعه الفشل، إذ مشكلتنا ليست في لون العلم، بل في أن من يقترح تغييره هو نفسه من قاد البلاد إلى أكبر كارثة في تاريخها الحديث.

فالعلم يُرفع على مؤسسات قوية، ودولة عادلة، وجيش مهني، وحكومة منتخبة.
أما أن يُستخدم العلم كستار لحجب الفشل، فهذا لا يزيد الناس إلا وعيًا بما يحاول البرهان الهروب منه.

إن الدعوة للعودة إلى العلم القديم ليست سوى محاولة جديدة لصناعة ضجيج يغطي صمت الهزيمة.
والشعب الذي اكتوى بنار هذه الحرب لن يستدرجه أي علم، قديمًا كان أم جديدًا، إلى نسيان الحقيقة الجوهرية:
أن الكارثة لم تأتِ من العلم، بل من الذين تلاعبوا به وبالوطن كله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.