فاطمة مصطفى الدود تكتب : بين رُكام الحديد وصمت الصحراء
في قلب ولاية شمال دارفور حاضرة مدينة الفاشر الشاسعة التي يكسوها دخان الحرب الاسود ، وتغمرها أشعة شمس مَغربٍ محتضر ، وقف رجل بدوي على صهوة جواده مندهشاً ، يحدّق في بقايا مسيّرة جوية أسقطوها أبطال الاشاوس هناك .
أمامه ، كانت بقايا طائرة مسيّرة من الطراز الفاخر مهشّمة—مروحة منبعجة ، وهيكل معدني محترق ، وصمت ثقيل يشهد على مأساة الكيزان و الفلول التي سطرت صفحاتها في قلب الرمال.
الرجل بلباسه التقليدي الأبيض وعمامته التي تقيه هبوب الرياح الساخنة ، لم يكن مجرد راكب عابر ، لقد كان شاهداً على لقاءٍ بين عالمين—الصحراء الكبرى التي لم تتغير منذ قرون ، والتكنولوجيا التي سقطت من السماء لتحترق على أرضها .
“بُعدٌ تاريخي و تكنولوجي”
اللافت في المشهد ليس الحُطام وحده ، بل التباين الحاد بين التكنولوجيا المتقدمة المُمثلة في حطام المسيرة ، والبساطة التي يمثلها الرجل البدوي ، الذي بدا وكأنه خرج من صفحة من كتاب تاريخي.
الصورة تعكس التقاء زمنين: الأول متسارع، لا يكاد يلتقط أنفاسه ، والثاني ، يحيا في هدوء وتواصل عميق مع الأرض.
“صمتٌ رسمي و اسئلة معلّقة ”
لم تُبدي الجهة “قوات الجيش الارهابية ” التي اطلقت تلك المسيرة حتى اللحظة اي ردة فعل او بيان على طبيعة المهمة التي كانت تنفذها سواء أكان تجسس او مراقبة .
ماذا سيفعلون ؟
هل هذه هزيمة نكراء شعروا بها ، ام صمتهم هذا يدل على ان أملهم في الفاشر قد انتهى ام ماذا؟
” الفاشر نهاية ام بداية ”
قد تبدو الصورة مجرّد مشهد لحطام طائرة في الصحراء، لكنّها أعمق من ذلك بكثير.
إنها لحظة سقوط فصل من فصول الطغيان الذي ظنّ أن السماء ملكه ، والأرض مباحة لطائراته ومسيّراته.
أما هنا ، فهذه المدينة – وإن بدت نائية – هي ساحة حرب حقيقية ، يقف فيها أهل الأرض في مواجهة غزاةٍ جاؤوا لسلْبهم ما تبقّى من أرضهم وهويّتهم.
هذا الحطام ليس فقط بقايا معدن ، بل هو أوّل شاهد على بداية النهاية لأولئك الذين توهّموا أنهم قادرون على محو التاريخ والحضارة من فوق الرمال.
المدينة ستصمد ، رجالها ، نساؤها ، حتى أطفالها ، سيقاتلون لا من أجل البقاء فحسب ، بل من أجل الكرامة ، من أجل الاسم ، من أجل ألا يُمحى تراب الأجداد من تحت أقدام أحذية الغرباء.
هنا ، لا تنتهي المعركة بسقوط مسيّرة… بل تبدأ مرحلة جديدة: مرحلة الانتصار على من ظنوا أن القلوب تُخضعها الطائرات ، وأن الهوية تُنسى بالقصف.
في هذه المدينة، لا تُنسى الهويّة، ولا تُباع الأرض.وهنا… تبدأ الحكاية.