الحرب على الغذاء.. كيف يستخدم جيش السودان التجويع سلاحًا لـ«إخضاع» المدنيين؟ 

 

في حرب لم تعد تستهدف خطوط النار وحدها، يبدو أن الغذاء أصبح سلاحا في يد جيش السودان، لاستخدامه في الضغط على المدنيين وتجفيف شرايين الإغاثة، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية وتتسع دائرة الجوع.

فاستهداف قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان لا يمثل مجرد ضربة لشحنة مساعدات، بل يفتح الباب أمام أسئلة بُح صوت منظمات حقوق الإنسان الدولية والأمم المتحدة بها: إلى أي مدى بات المدنيون يدفعون ثمن الحرب عبر حرمانهم من أبسط مقومات البقاء؟ وإلى متى سيظل الإفلات من العقاب أداة تستخدمها الحركة الإسلامية وأذرعها المليشياوية للنجاة من جرائمها بحق المدنيين؟

فماذا حدث؟

في بيان صادر عنها، الخميس، واطلعت «العين الإخبارية» على نسخة منه، أدان برنامج الأغذية العالمي بشدة هجوما جويا استهدف شاحنتين تابعتين له خارج مدينة دلنغ في ولاية جنوب كردفان، مما أدى إلى إتلاف أكثر من 50 طنا متريا من المواد الغذائية الإنسانية تكفي لتوفير مساعدات منقذة للحياة لـ5800 شخص لمدة شهر.

وأكد البرنامج أن الشاحنتين كانتا متجهتين إلى كادوقلي وكانتا تحملان بوضوح شعارات وأعلام البرنامج عند تعرضها للهجوم يوم الأحد – 30 أغسطس.

حادث أدانته القوى المدنية المتحدة «قمم» بأشد العبارات، محملة الجيش السوداني المسؤولية عنه، مشيرة إلى أن استهداف قافلة إغاثة معلنة الهوية والوجهة يمثل اعتداءً بالغ الخطورة على العمل الإنساني وعلى المدنيين الذين يعتمدون على هذه المساعدات للبقاء.

استهداف متكرر

وإلى ذلك، قال رئيس القوى المدنية المتحدة «قمم» في السودان هارون مديخير، إن استهداف قوافل المساعدات الإنسانية في البلاد ليس حادثًا منفردًا، وإنما تكرر في مناطق عدة، معتبرًا أن ما جرى لقافلة برنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان يمثل امتدادًا لهذا النهج.

وأضاف مديخير أن «الهجوم على الإغاثة ليس المرة الأولى، وإنما تكرر أكثر من عشر أو عشرين مرة»، مشيرًا إلى أن من بين الوقائع: استهداف قافلة إغاثة في منطقة «الكومة» بشمال دارفور، حيث قال إن الجيش والقوى المرتبطة بالحركة الإسلامية استهدفا القافلة ودُمّرت أكثر من ست أو سبع سيارات، فضلًا عن حوادث مماثلة على طريق الجنينة وفي مناطق بكردفان.

وأكد أن «قمم» ترفض استهداف العمل الإنساني «جملة وتفصيلًا»، مشددًا على أن قوافل الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني يجب أن يحظوا بالحماية من جميع أطراف النزاع، باعتبار أن المساعدات الإنسانية ليست طرفًا في الحرب.

وحول المزاعم التي تتهم قوات الدعم السريع، قال مديخير، إن قوات الدعم السريع لم تستهدف قوافل الإغاثة، لكنه أشار إلى واقعة سابقة قال فيها إن قوات الدعم السريع استهدفت مركبات كانت تحمل أسلحة ومموهة بعلامات توحي بأنها تابعة للإغاثة، قبل أن يتبين أنها محملة بالسلاح.

واتهم مديخير الجيش والقوى المرتبطة بالحركة الإسلامية باستهداف المدنيين، قائلًا إن الأمر «لا يقتصر على الإغاثة، وإنما يستهدف المدنيين العزل».

ماذا بعد؟

وأضاف أن «قمم» تعتزم اتخاذ خطوات سياسية وإعلامية احتجاجًا على استهداف المدنيين والعمل الإنساني، بينها إصدار البيانات وتنظيم وقفات، إلى جانب التحرك عبر آلياتها مع المجتمع الدولي.

وقال: «سنقف ضد هذه المسألة»، مضيفًا أن عددًا كبيرًا من الضحايا، ينتمون إلى الحاضنة الاجتماعية والسياسية للقوى المدنية المتحدة، الأمر الذي يدفعها إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا خلال الفترة المقبلة.

تحرك دولي ومحاسبة للمسؤولين

وأوضح مديخير أن صعوبة الحركة والوصول إلى مناطق القتال في كردفان لا تحول دون العمل على وقف «هذه العملية الإجرامية»، مؤكدًا أن المجتمع الدولي يتابع التطورات في السودان.

وقال إن المدنيين دفعوا «ثمنًا باهظًا للحرب، وسقطوا ضحايا في صراع ليس لهم فيه ذنب»، مشددًا على أن حقوق الضحايا يجب ألا تسقط بالتقادم، وأن الاعتداء على المدنيين يستوجب المساءلة.

«الغذاء أصبح سلاحًا»

واعتبر مديخير أن أخطر ما في التطورات الأخيرة هو تحول الغذاء إلى أداة في الحرب، قائلًا: «الغذاء أصبح سلاحًا؛ يستخدمه الجيش».

وأضاف أن استخدام الغذاء كسلاح «ليس ضد الدعم السريع، وإنما ضد المدنيين»، معتبرًا أن ذلك يمثل تطورًا بالغ الخطورة يستدعي موقفًا دوليًا واضحًا.

وربط مديخير بين ذلك واستخدام الطائرات المسيّرة والقصف الجوي، قائلًا إن العمليات الجوية «أثرت على المدنيين»، ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لمنع استخدام هذه الوسائل ضد السكان والأهداف المدنية.

وكانت بعثة تابعة للأمم المتحدة أكدت في تقرير لها الخميس، أن الجيش ارتكب «انتهاكات جسيمة» خلال عمليات نُفذت باستخدام طائرات مسيّرة، وقد ترقى بعض أفعالهما إلى جرائم حرب.

وخلص التقرير إلى وجود «أسباب معقولة» للاعتقاد بأن الجيش استخدم خلال عملياته طائرات مسيّرة وفّرتها جهات أجنبية.

محاسبة دولية

ودعا رئيس القوى المدنية المتحدة «قمم» المجتمع الدولي إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تستهدف المدنيين، مؤكدًا أن أي طرف يعتدي على المدنيين يجب أن يخضع للمساءلة، بغض النظر عن موقعه في الصراع.

وكان رئيس البعثة التابعة للأمم المتحدة محمد شاندي عثمان، قال: «تتطلب حماية المدنيين السودانيين اتخاذ إجراءات ليس فقط بحق الذين يخوضون الحرب، بل أيضا بحق الأشخاص والجهات والشبكات التي تتيح استمرارها».

فيما أكد مديخير، أن «العالم كله أصبح قرية واحدة»، ما يعني أن المجتمع الدولي مطالب، بالتحرك عندما تقع اعتداءات على المدنيين.

كما طالب مديخير بمراجعة التعامل الدولي مع القوى التي تتهمها «قمم» بالارتباط بالحركة الإسلامية، معتبرًا أن تصنيف أي جهة كتنظيم إرهابي يفرض، قيودًا على التعامل معها.

وأشار كذلك إلى استمرار تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، معتبرًا أن التطورات السياسية والعسكرية التي سبقت الحرب، بما فيها انقلاب الجيش على الحكومة المدنية، تمثل تحديات ينبغي أن تحظى باهتمام المجتمع الدولي.

وشدد على ضرورة استمرار الضغط الدولي لوقف الحرب وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، معتبرًا أن الإفلات من العقاب لن يؤدي إلا إلى استمرار الانتهاكات وتفاقم الأزمة الإنسانية.

«قمم»: هدفنا وقف الحرب

وشدد رئيس «قمم» على أن وقف الحرب يمثل أحد الأهداف الرئيسية للقوى المدنية المتحدة، مؤكدًا أن «هذه الحرب لا بد أن تتوقف بأي حال من الأحوال».

وأشار إلى أن «قمم» تؤيد المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، لافتًا إلى المبادرات التي طرحتها أطراف دولية وإقليمية، ومنها الولايات المتحدة والسعودية، معتبرًا أن موقف الجيش كان رافضا بشكل دائم لمبادرات السلام.

وأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وفق عاملين في المجال الإنساني، وأدت إلى نزوح أكثر من 12 مليون سوداني، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

 العين الإخبارية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.