وصمة الكيمياوي تلاحق الجيش السوداني وتعقد أوضاع نظام الخرطوم

عقوبات أميركية تعمّق الأزمة الاقتصادية وتكرّس عزلة البلاد دوليا

 

الخرطوم– دخل السجال بين الولايات المتحدة والسودان بشأن اتهامات باستخدام أسلحة كيمياوية مرحلة جديدة، مع بدء سريان عقوبات أميركية إضافية تستهدف قطاعات اقتصادية وتجارية، بينما ترفض الخرطوم الاتهامات وتصف الإجراءات بأنها “أحادية وغير قانونية وتستند إلى مزاعم تفتقر إلى الأدلة”.

ويرى المحلل السياسي السوداني عثمان فضل الله أن التأثير العسكري المباشر للعقوبات قد يكون محدودا، في ظل استمرار الحرب وتعدد مصادر التسليح، إلا أن تداعياتها الاقتصادية والدبلوماسية ستكون أكثر وضوحا، عبر تشديد القيود على التعاون التقني والتمويل والاستثمار، وزيادة عزلة الخرطوم دوليا.

وتستند الإجراءات الأميركية إلى اتهامات للقوات المسلحة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال حربها مع قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه الخرطوم، مؤكدة أنها لا تنتج أو تمتلك أو تستخدم هذا النوع من الأسلحة.

كما تؤكد الخرطوم التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية واستعدادها للتعاون مع الجهات الدولية المختصة للتحقق من الاتهامات، مطالبة واشنطن بتقديم المعلومات والأدلة التي استندت إليها في اتخاذ قراراتها.

وتأتي العقوبات الجديدة في وقت يواجه فيه السودان تداعيات حرب متواصلة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح ولجوء ملايين السودانيين، فضلا عن إلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد والبنية التحتية.

ورفضت وزارة الخارجية السودانية العقوبات الأميركية الجديدة، معتبرة أنها تستند إلى “مزاعم باطلة” بشأن استخدام القوات المسلحة أسلحة كيميائية خلال الحرب.

وقالت الوزارة، في بيان، إن الخرطوم “ترفض رفضا قاطعا العقوبات الأحادية وغير القانونية التي أعلنت الولايات المتحدة فرضها على السودان”.

وأضافت أن واشنطن استندت في قرارها إلى اتهامات سبق للحكومة السودانية أن دحضتها، مشيرة إلى أن تلك المزاعم بدأت في الظهور إعلاميا استنادا إلى مصادر مجهولة.

وشددت الخارجية على أن السودان “لا ينتج أو يمتلك أو يستخدم الأسلحة الكيميائية”، وأنه ملتزم بتقديم الإخطارات الدورية المطلوبة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وأوضحت أن الحكومة تعاملت مع الاتهامات الأميركية “بجدية وشفافية”، وانخرطت في قنوات اتصال فنية مع الجانب الأميركي بهدف الاطلاع على المعلومات والبيانات التي استندت إليها واشنطن.

كما أكدت استعدادها للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وغيرها من الجهات الدولية المختصة، للتحقق من المزاعم عبر الأطر القانونية والفنية المعتمدة.

وبدأ في 20 يوليو الجاري سريان عقوبات أميركية إضافية على السودان، بعد اتهام حكومته بعدم استيفاء الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية خلال مهلة امتدت 3 أشهر.

المرة الأولى التي يواجه فيها الجيش السوداني كمؤسسة عقوبات مباشرة، حيث كانت العقوبات في السابق تستهدف النظام السياسي أو بعض الأفراد.

وتشمل الإجراءات فرض قيود على تقديم القروض والمساعدات المالية والفنية للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، مع استثناء المساعدات الإنسانية والغذائية.

كما تتضمن فرض قيود واسعة على تصدير معظم السلع والتقنيات الأميركية إلى السودان، وإخضاع المنتجات ذات الاستخدام الأمني أو العسكري لمراجعة مشددة، وفق سياسة تقوم على افتراض رفض منح تراخيص التصدير.

ومن المقرر أن تستمر العقوبات عاما على الأقل، ما لم تقرر الإدارة الأميركية أن السودان استوفى الشروط القانونية المطلوبة لرفعها.

وتثير تلك القيود مخاوف من زيادة عزلة السودان المالية والتجارية، وإضعاف قدرته على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، في ظل أزمة اقتصادية تفاقمت بفعل الحرب المستمرة.

تعود القضية إلى مايو 2025، عندما أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على السودان، بعد اتهام القوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية خلال حربها مع قوات الدعم السريع عام 2024.

وشملت الإجراءات آنذاك فرض قيود على الصادرات الأميركية إلى السودان، إلى جانب تقييد وصول الحكومة السودانية إلى خطوط الائتمان الحكومية الأميركية.

وفي 29 مايو 2025، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان قرارا بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في المزاعم الأميركية، ضمت ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة، وكُلفت بإجراء تحقيق ورفع تقرير بصورة عاجلة بشأن الاتهامات.

وفي 10 يوليو 2025، أكد السودان، خلال مشاركته في أعمال الدورة الـ109 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، تعامله بجدية وشفافية مع المزاعم الأميركية.

وقالت الخارجية السودانية آنذاك إن الحكومة أولت الاتهامات ما يتناسب مع مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وشرعت في اتخاذ تدابير عملية للتعامل معها.

وبحسب الوزارة، أبدى الجانب الأميركي حينها استعداده لتزويد السودان بالمعلومات والتفاصيل اللازمة خلال الفترة اللاحقة.

لكن الاتصالات الفنية بين الجانبين لم تنه الخلاف، إذ استمر التصعيد وصولا إلى دخول إجراءات إضافية حيز التنفيذ في يوليو 2026، ما دفع الخرطوم إلى تجديد رفضها للعقوبات والمطالبة بتقديم الأدلة عبر الآليات الدولية المختصة.

ويرى فضل الله أن العقوبات الأميركية تمثل تطورا سياسيا وقانونيا “بالغ الأهمية والخطورة”، لأنها “تضيف بعدا جديدا إلى العزلة الدولية التي تواجهها السلطة في السودان”.

ويقول لوكالة الأناضول: “لعلها المرة الأولى التي تواجه فيها القوات المسلحة، بصفتها مؤسسة، عقوبات مباشرة، إذ كانت العقوبات في السابق تستهدف أفرادا أو نظام الحكم”.

ويضيف أن التأثير العسكري المباشر للعقوبات قد يكون محدودا، في ظل استمرار الحرب وتعدد مصادر حصول الأطراف على السلاح.

ويستدرك “رغم أن تأثيرها العسكري المباشر قد يكون محدودا، فإن آثارها الاقتصادية والدبلوماسية ستكون أكثر وضوحا، عبر تشديد القيود على التعاون العسكري والتقني وإضعاف فرص الحصول على التمويل والاستثمار”.

ويشير فضل الله إلى أن العقوبات قد تزيد الضغوط الدولية المطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوتها.

كما يرى أنها تزيد من “تعقيد مساعي الحكومة السودانية لاستعادة علاقاتها الخارجية وتخفيف عزلتها الدولية”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى التمويل والاستثمارات اللازمة لمواجهة آثار الحرب وإعادة الإعمار.

وتضع الإجراءات الجديدة الخرطوم أمام ضغوط اقتصادية ودبلوماسية متزايدة، بينما يبقى جوهر الخلاف مع واشنطن متعلقا بالأدلة التي تستند إليها الاتهامات الأميركية، والآلية القانونية والفنية المناسبة للتحقق منها.

 

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.