البرهان بين مطرقة الرياض وسندان طهران
نبيل شكور
حظر الحوثيين البحري على السعودية في مضيق باب المندب الذي أعلن يوم الاثنين 20 يوليو 2026م، وإن بدا للوهلة الأولى حدثاً منفصلاً عن الملف السوداني، إلا أنه يحمل تأثيرات مباشرة وغير مباشرة بالغة الأهمية على معادلة أمن البحر الأحمر التي يقع السودان في قلبها جغرافياً.
فبورتسودان وسواكن تقعان على الساحل ذاته الذي يتهدده هذا التصعيد، وأي اضطراب في الملاحة عبر باب المندب يعني مباشرة اضطراباً في حركة الاستيراد والتصدير عبر الموانئ السودانية — وهو شريان اقتصادي بالغ الحيوية في ظل اقتصاد سوداني منهك أصلاً تحت وطأة الحرب والعقوبات المتصاعدة. تصاعد التوتر البحري في هذا الممر قد يرفع تكاليف التأمين والشحن على السفن المتجهة للموانئ السودانية، ويُبطئ حركة الإمدادات الغذائية والدوائية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين المنكوبين، ليضاف بذلك عبء اقتصادي جديد فوق أعباء الحصار المالي المتصاعد أصلاً على اقتصاد الحرب.
والأخطر أن هذا التطور يُسلّط الضوء مجدداً على التناقض البنيوي في تحالفات بورتسودان — الارتباط الاستخباراتي الموثق بالشبكة الإيرانية-الحوثية من جهة، والاعتماد السياسي على الرعاية السعودية من جهة أخرى — وهو تناقض قد يتحول من عبء محتمل إلى أزمة مصداقية فعلية إذا تصاعدت المواجهة الإقليمية الراهنة.
وثّق تقرير Beyond the Axis الصادر في يونيو 2026 تعاوناً عسكرياً واستخباراتياً متصاعداً بين الجيش السوداني والحرس الثوري الإيراني، بمشاركة مباشرة من عناصر الحوثيين اليمنيين في تدريب سودانيين على تصنيع وتشغيل المسيّرات — تحديداً طائرات “مهاجر-6.” هذا يعني أن العلاقة بين بورتسودان والحوثيين ليست افتراضاً نظرياً، بل علاقة موثقة تقنياً وعملياتياً ضمن شبكة إقليمية أوسع يقودها الحرس الثوري الإيراني.
حظر الحوثيين البحري على السعودية — وهي دولة عضو في مبادرة الرباعية وداعمة (رسمياً) للجيش السوداني — يضع بورتسودان أمام مأزق تحالفي حقيقي: فهي مرتبطة استخباراتياً وعسكرياً بشبكة الحوثيين-إيران من جهة، بينما تعتمد سياسياً ودبلوماسياً على السعودية كراعٍ إقليمي رئيسي من جهة أخرى.
هذا التناقض ليس جديداً بذاته — فقد أشرنا سابقاً إلى أن الجيش السوداني نجح في بناء شبكة دعم متناقضة تشمل أطرافاً متصارعة إقليمياً (السعودية وقطر من جهة، وإيران من جهة أخرى) — لكن تصعيد الحوثيين الحالي يُضيّق هامش المناورة في هذا التوازن الهش، لأنه يضع السعودية في مواجهة مباشرة مع الشبكة ذاتها التي يرتبط بها الجيش السوداني عملياتياً.
إذا تصاعدت الأزمة بين السعودية والحوثيين، فإن أي كشف إضافي — رسمي أو استخباراتي — عن استمرار التنسيق العسكري بين الجيش السوداني وشبكة الحوثيين-إيران سيضع الرياض أمام معضلة مصداقية حقيقية: كيف تستمر في رعاية طرف سوداني مرتبط بشبكة تُحاصر سفنها بحرياً الآن؟
إذا تصاعدت المواجهة الأمريكية-الإيرانية بشكل أكبر، فإن أي طرف مرتبط بالشبكة الإيرانية — بما فيها الجيش السوداني وفق التوثيق الاستخباراتي المتوفر — سيجد نفسه في موقع أكثر عزلة دولياً، وقد تستغل الرياض هذه اللحظة وتصعيد الحوثي على مضيق باب المندب للضغط بشكل أكثر صراحة على الجيش السوداني لإنهاء أي تنسيق مع الشبكة الإيرانية-الحوثية، كثمن لاستمرار الدعم السعودي، وهو اختبار سيضع البرهان في مواجهة حلفائه الإسلاميين المرتبطين أيديولوجياً وعسكرياً بالمحور الإيراني والحرس الثوري وفرضت الإدارة الأمريكية عقوبات اقتصادية وصنفت الحركة الإسلامية السودانية وكتائبها منظمات إرهابية جراء ارتباطها الوثيق بإيران.