تحقيق يكشف شبكة دعم سعودية متعددة المسارات عززت قدرات الجيش السوداني خلال الحرب

خلص تحقيق نشره المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية (GISS) إلى أن الدور السعودي في الحرب السودانية تجاوز، وفق ما أورده التحقيق، إطار الوساطة السياسية التي قادتها الرياض مع الولايات المتحدة في محادثات جدة، ليتحول إلى شبكة دعم متكاملة عززت القدرات السياسية والعسكرية واللوجستية والاقتصادية للقوات المسلحة السودانية وسلطات بورتسودان طوال فترة النزاع. واعتبر التحقيق أن هذه المعطيات تكشف تناقضاً بين الدور العلني الذي قدمت به السعودية نفسها وسيطاً يقود جهود وقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات الإنسانية، وبين ما وصفه بشبكة دعم متكاملة ساهمت في تعزيز القدرات العملياتية للقوات المسلحة السودانية وإطالة قدرتها على مواصلة الحرب.

 

وبحسب التحقيق، استندت نتائجه إلى تحليل سجلات التجارة الدولية، ووثائق الشحن البحري، وبيانات تتبع الرحلات الجوية، وسجلات الشركات، ومسارات إعادة التصدير، والمعاملات المالية، لإعادة بناء شبكة العلاقات التي ربطت الرياض بمركز القيادة العسكري في بورتسودان، معتبراً أن الأدلة التي جمعها لا تمثل وقائع منفصلة، بل أجزاء من هيكل دعم مترابط جمع بين الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية واللوجستية.

 

ورصد التحقيق ما وصفه بجسر جوي متواصل بين الرياض وبورتسودان عبر سلسلة من الرحلات التنفيذية غير التجارية نفذتها طائرات خاصة تستخدم عادة في نقل كبار المسؤولين والوفود الحكومية والأصول المالية والوثائق والمعدات الحساسة، شملت رحلة لطائرة غلف ستريم G550 المسجلة HZ-SK5 في ديسمبر، والتي كانت تشغلها شركتا ألفا ستار للطيران وسكاي برايم للطيران، ورحلة لطائرة ميتسوبيشي CRJ-200LR التابعة لشركة بدر للطيران والمسجلة ST-BAT من بورتسودان إلى الرياض بعد أقل من أسبوعين، ثم رحلة لطائرة غلف ستريم G450 المسجلة HZ-A22 التي تشغلها شركة ألفا ستار للطيران في صباح السابع من يناير، وأخرى لطائرة سيسنا سيتيشن لاتيتيود المسجلة HZ-A26 التي تشغلها الشركة نفسها في الرابع عشر من فبراير، وجاءت بعد يوم واحد من نشر موقع إنتليجنس أونلاين تقريراً زعم نقل السعودية مدافع إم777 إلى القوات المسلحة السودانية، إضافة إلى رحلة لطائرة بومباردييه غلوبال 5000 المسجلة TC-RMS التي تشغلها شركة بون إير هافاجيليك، وغادرت الرياض إلى الخرطوم في الثاني والعشرين من يونيو بعد وصولها إلى السعودية من إسطنبول، فضلاً عن رحلة جديدة للطائرة HZ-SK5 عادت إلى الرياض بعد توقف في بورتسودان لم يتجاوز أربع ساعات.

 

واعتبر التحقيق أن نوعية هذه الطائرات وتكرار الرحلات وتوقيتها، إلى جانب استخدامها في نقل شحنات تتطلب درجة عالية من السرية والمرونة التشغيلية، تشير إلى وجود جسر جوي دائم يتجاوز المهام الدبلوماسية التقليدية. وأضاف أن توقف الطائرة HZ-SK5 في بورتسودان لأقل من أربع ساعات يرجح، بحسب التحقيق، أنها لم تكن رحلة تشغيلية أو تجارية اعتيادية، بل مهمة سريعة ذات غرض محدد. كما ربط التحقيق بين رحلة الرابع عشر من فبراير وتقرير نشره موقع إنتليجنس أونلاين في اليوم السابق بشأن نقل مدافع إم777 إلى السودان، معتبراً أن التزامن الزمني يعزز فرضية وجود قناة دعم مستمرة بين الرياض وسلطات بورتسودان. وخلص التحقيق إلى أن مجمل هذه الرحلات يشير إلى أن السعودية حافظت على قناة اتصال مباشرة ومستمرة مع سلطات بورتسودان، وقدمت أشكالاً من الدعم تجاوزت الوساطة الدبلوماسية، وأسهمت في تعزيز قدرة تلك السلطات على مواصلة عملياتها العسكرية طوال فترة النزاع.

 

وأشار التحقيق إلى أن تقرير إنتليجنس أونلاين تحدث عن نقل السعودية ثلاث بطاريات من مدافع إم777 عيار 155 ملم إلى القوات المسلحة السودانية، مع كميات كبيرة من الذخائر المتوافقة وبرامج تدريب للكوادر العسكرية على تشغيل المنظومات وإدارة النيران وإجراءات السلامة، استناداً إلى وثائق وصور ومقاطع فيديو ومصادر استخباراتية. وأضاف أن السعودية تمتلك أكثر من مئة مدفع من هذا الطراز، وأن ميناء بورتسودان اختير لاستقبال هذه المنظومات بهدف تفريغها وتخزينها وإعادة توزيعها على الجبهات مع تقليل مخاطر الاعتراض أو الاستهداف، مشيراً إلى أن العملية، بحسب المعلومات التي استند إليها التحقيق، نُسقت عبر قنوات مرتبطة بالاستخبارات العسكرية السعودية ونظيرتها السودانية لضمان وصول المعدات إلى الوحدات العسكرية.

 

كما تناول التحقيق ما وصفه بالمسار البحري للدعم، مشيراً إلى أن شركة هندسة الموانئ السودانية استوردت سبع عشرة أسطوانة من غاز الكلور من شركة كيم تريد إنترناشيونال الهندية، على أن تمر الشحنة عبر ميناء جدة الإسلامي قبل وصولها إلى ميناء بورتسودان. وأوضح أن الشركة المستوردة ترتبط، بحسب التحقيق، بالمؤسسة العسكرية السودانية ويقودها ضابط عامل، ما يجعلها جزءاً من شبكة الإمداد والتخزين والتوزيع التابعة للجيش. وأضاف أن الشحنة جرى تفريغها وتخزينها ثم إعادة توزيعها عبر قنوات لوجستية خاضعة للقوات المسلحة السودانية إلى مواقع متعددة داخل البلاد، قبل أن تظهر لاحقاً، وفق ما أورده التحقيق، في منطقة مصفاة الجيلي، حيث قال التحقيق إن القوات المسلحة السودانية استخدمتها في هجوم كيميائي مزعوم، وهو ما دفع باحثين وخبراء مستقلين إلى تتبع مسار الشحنة منذ خروجها من الهند حتى وصولها إلى السودان. وفي الوقت نفسه، أشار التحقيق إلى أن مرور الشحنة عبر الموانئ السعودية لا يثبت بمفرده علم السلطات السعودية بالاستخدام النهائي لها، لكنه اعتبر أن المملكة أدت دور ممر لوجستي رئيسي ضمن سلسلة الإمداد.

 

وفي جانب آخر، قال التحقيق إن شبكة الإمداد لم تقتصر على الأسلحة، بل شملت أيضاً مواد تدخل في تصنيع الذخائر والمتفجرات. وأشار إلى أن شركة تارجت مالتي أكتيفيتيز (TMAC)، المرتبطة بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية عبر مجموعة جياد، تمثل جزءاً من البنية الصناعية والعسكرية التي تعتمد عليها القوات المسلحة السودانية في تأمين المواد الخام الخاصة بإنتاج الذخائر والمتفجرات، موضحاً أن دورها لم يقتصر على الاستيراد التجاري، بل شمل، بحسب التحقيق، دعم منظومة الإمداد الخاصة بالمؤسسة العسكرية.

 

وذكر التحقيق أن شركة إس بي إل إنرجي أصبحت المورد الرئيسي لهذه الشبكة منذ عام 2024، ونفذت أكثر من مائتي شحنة لصالح شركة تارجت مالتي أكتيفيتيز، بينها 314 شحنة من أصل 477 شحنة مسجلة للشركة السودانية، فيما نفذت شركة آي دي إل إكسبلوسيفز 147 شحنة، وشركة أشوكا للتصنيع ثماني شحنات، وشركة سي دي إي تي للصناعات المتفجرة شحنتين. واعتبر أن تعدد الموردين يعكس وجود شبكة إمداد مستقرة ومتعددة المصادر، صممت لضمان استمرار تدفق المواد المتفجرة حتى في حال تعطل أحد مسارات التوريد.

 

وأضاف التحقيق أن شركة تارجت مالتي أكتيفيتيز استوردت في 23 يناير شحنة جديدة من مواد متفجرة مصنفة تحت الرمز الجمركي HS Code 36020010، شملت منتجات نيو جل 901 ونيو برايم بأحجام مختلفة، انطلقت من ميناء كوتشي الهندي مروراً بميناء جدة الإسلامي قبل وصولها إلى ميناء بورتسودان، ثم دخلت شبكة الشركات العاملة ضمن منظومة الصناعات الدفاعية السودانية. واعتبر التحقيق أن مرور هذه المواد عبر جدة شكل جزءاً أساسياً من سلسلة الإمداد التي أوصلتها إلى جهات مرتبطة بالبنية العسكرية والصناعية للقوات المسلحة السودانية.

 

وأشار التحقيق إلى أن هذه المواد، بعد وصولها إلى بورتسودان، دخلت شبكة النقل والتخزين التابعة للقوات المسلحة السودانية، قبل إعادة توزيعها على الشركات والمنشآت العاملة ضمن منظومة الصناعات الدفاعية، بما أسهم، وفق التحقيق، في استمرار إنتاج الذخائر والمواد العسكرية خلال فترة الحرب. وخلص إلى أن هذه الوقائع، إلى جانب الرحلات الجوية التنفيذية، وشحنات الكلور، ومدافع إم777، لا تمثل أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من شبكة دعم مترابطة اعتمدت على مسارات جوية وبحرية وتجارية لتعزيز القدرات العسكرية واللوجستية للقوات المسلحة السودانية والفصائل المتحالفة معها.

 

وخلص التحقيق إلى أن العلاقة بين الرياض وسلطات بورتسودان شهدت تحولاً متسارعاً، مستشهداً بلقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في جدة في 20 أبريل، بالتزامن مع تقارير استخباراتية تحدثت عن ترتيبات لحزمة أسلحة باكستانية بقيمة 1.5 مليار دولار لصالح القوات المسلحة السودانية، مع حديث عن احتمال تقديم السعودية دعماً أو تمويلاً لهذه الصفقة. واعتبر التحقيق أن هذا اللقاء تجاوز كونه اجتماعاً دبلوماسياً عادياً، ليشكل جزءاً من سلسلة تحركات سياسية عززت مكانة سلطات بورتسودان ورسخت موقع السعودية بوصفها أبرز شريك خارجي لها خلال المرحلة الجديدة من الحكم العسكري.

 

وأضاف التحقيق أن الجانبين أعلنا لاحقاً ترتيبات لإنشاء مجلس تعاون استراتيجي سعودي ـ سوداني، بما يمثل، وفق توصيفه، انتقالاً من دور الوساطة إلى شراكة مؤسسية طويلة الأمد في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. كما أشار إلى منح الشركات السعودية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والموانئ والطاقة والزراعة والنقل، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس ترابط الدعم السياسي مع مصالح اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى رسم ملامح المشهد الاقتصادي والسياسي في السودان بعد الحرب.

 

ويرى المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية أن مجمل هذه المعطيات تكشف انتقال الدور السعودي، وفق توصيفه، من وسيط دبلوماسي إلى شريك سياسي وأمني ولوجستي للقوات المسلحة السودانية، عبر شبكة مترابطة من الرحلات الجوية، ومسارات الشحن البحري، وشبكات التوريد العسكري، والعلاقات الاقتصادية والسياسية، بما عزز قدرة الجيش السوداني على مواصلة عملياته العسكرية طوال فترة النزاع ورسخ سلطة إدارة بورتسودان ووسع قدرتها على الاستمرار في العمليات العسكرية.

 

وأضاف التحقيق أن هذا الدعم انعكس أيضاً على الفصائل المسلحة المتحالفة مع الجيش، ومن بينها لواء البراء بن مالك الذي صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية. وأشار إلى أن قرار التصنيف استند، بحسب وزارة الخارجية الأميركية، إلى اتهامات تتعلق بالعنف ضد المدنيين، والإعدامات الميدانية، وتقويض جهود التسوية السياسية، إلى جانب معلومات عن تلقي بعض عناصره تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني. واعتبر التحقيق أن هذه المعطيات تثير تساؤلات سياسية وقانونية بشأن مسؤولية الدول التي تقدم دعماً سياسياً أو مالياً أو لوجستياً أو عسكرياً لأطراف النزاعات المسلحة، وما يترتب على ذلك من آثار على مستقبل السودان، والوضع الإنساني، وأمن منطقة القرن الأفريقي.

 

المصدر

 

 

https://gissinstitute.com/from-jeddah-to-port-sudan-mapping-saudi-arabias-support-network-for-the-sudanese-armed-forces/

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.