مناورة البرهان.. الموافقة المشروطة وفخ الشروط التعجيزية في المقترح الأمريكي

مناورة البرهان..

الموافقة المشروطة وفخ الشروط التعجيزية في المقترح الأمريكي

 

 

كتب ✍🏼أ/ أحمد عثمان محمد المبارك

 

تأتي التطورات الأخيرة المحيطة بموافقة الحكومة السودانية المشروطة على المقترح الأمريكي لتعيد صياغة المشهد السياسي والعسكري في السودان، مقدمةً قراءة معقدة لطبيعة التكتيكات الدبلوماسية التي تتبعها قيادة الجيش برئاسة عبد الفتاح البرهان. هذا التحول الذي كشفت عنه وثائق متبادلة ومسربة، يوضح أن الحكومة أبدت مرونة لافتة بقبول خمسة من أصل ستة بنود تضمنها المقترح، والتي شملت إقرار هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً وتأسيس جيش وطني موحد وبدء عملية سياسية مدنية تُستبعد منها جماعة الإخوان المسلمين والواجهات المرتبطة بالنظام السابق. ومع ذلك، فإن التحفظ السوداني القاطع على بند أولوية الانسحاب من شمال دارفور وشمال كردفان، واشتراط الجيش بدلاً من ذلك انسحاباً شاملاً لقوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ بدء النزاع، ينقل هذه الموافقة من سياق الرغبة الفعلية في السلام إلى مربع الشروط التعجيزية التي تفرغ المقترح من محتواه العملي بالنسبة للطرف الآخر.

 

​وفي محاولة لفهم رد الفعل المباشر للبرهان وفريقه على هذا المقترح، تظهر المؤشرات والخطابات الرسمية أن قيادة الجيش تتعامل مع المبادرة بنوع من الاستراتيجية المزدوجة التي توازن بين الضغط الدبلوماسي الخارجي والحفاظ على الكتل الصلبة في الداخل. فبينما يتم إرسال إشارات مرنة لواشنطن لتفادي العقوبات الدولية وتجنب الحرج الدبلوماسي عبر إظهار الاستعداد للتفاوض، جاء رد الفعل الميداني والخطابي الداخلي للبرهان مناقضاً تماماً؛ حيث يواصل التأكيد أمام القوات العسكرية والمستنفرين على خيار الحسم العسكري الكامل ورفض أي تقاسم للسلطة أو القبول بإملاءات خارجية لا تضمن التخلص من التمرد بشكل نهائي. هذا التناقض يدفع الكثير من المراقبين إلى عدم الوثوق في هذه التعهدات، والنظر إليها باعتبارها لعبة سياسية لشراء الوقت وتخفيف وطأة الضغوط الدولية المكثفة، خاصة أن تكرار شرط الانسحاب من المدن كان السبب الأساسي في انهيار اتفاقات سابقة كمنبر جدة.

 

​ ورغم ترحيب المبدئي بالبنود التي تدعو لإبعاد الحركة الإسلامية وتأسيس سلطة مدنية، إلا أن الكثيرون يرون في هذه شروط مناورة واضحة لإطالة أمد الحرب. وان موقف القوى المدنية منها، هو أن قيادة الجيش ليست جادة في تسليم السلطة للمدنيين أو الالتزام بهدنة حقيقية تخفف المعاناة الإنسانية والمجاعة التي تطحن ملايين السودانيين، بل إن هدفها الأساسي هو استثمار الوقت على أمل تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض تؤهلها لفرض شروطها كاملة في المستقبل. ومن هنا، يتبين أن موافقة البرهان المشروطة تظل مناورة دبلوماسية ذكية تهدف الى نقل الكرة في ملعب قوات الدعم السريع والوسيط الأمريكي، وفي الوقت ذاته تبقي آفاق السلام الفعلي مسدودة ما لم تتحول الرغبة في إنهاء الحرب من مجرد نصوص على ورق الدبلوماسية إلى إرادة سياسية حقيقية تترجم على أرض الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.