محاولة لتتبع أثرُ الفَراشَةِ في حرب السودان؟!

الجميل الفاضل    

​محاولة لتتبع أثرُ الفَراشَةِ في حرب السودان؟!

 

​أَثرُ الفَراشَةِ لا يُرَى

أَثرُ الفَراشَةِ لا يَزولْ

هُو جَاذبيَّةُ غامِضٍ

يَسْتَدرِجُ المَعْنَى، ويَرْحَلُ حِينَ يَتَّضِحُ السَّبيلْ

هُو خِفَّةُ الأَبَدِيِّ في اليَوْميِّ…

— محمود درويش

هكذا، ​يقف الإنسان منذ فجر وعيه على ضفاف هذا الوجود، شاخصاً ببصره نحو تحولات الأرض ومصائر الأمم، مراقباً لحركة الزمن.    

 وفي محاولته الدائمة لفك شفرات مثل هذه الأحداث ومفاجآت التاريخ، يجد الإنسان نفسه أمام جدلية أزلية تحكم تفكيره: هل يسير هذا العالم وفق “قانون الصدفة” العشوائي، أم أن هناك “ناموساً لللاصدفة” خفياً وصارماً يتحكم بكل حركة وسكون؟

​إن ما يبدو على السطح كأنه خبط عشواء، أو شرارة عابرة اندلعت بلا ميعاد، يكشف في أعماقه عن نمط صارم، يحول “الصدفة” من حقيقة وجودية إلى مجرد قصور في الإدراك البشري وقراءة منقوصة للسطح دون الغوص في الأعماق.

                                  ​

وهم الصدفة وقشرة السطح:

                            

 ​في القراءة الظاهرية للأحداث، يبدو مفهوم “الصدفة” مغرياً للعقل البشري، إذ نطلق هذا الوصف على كل حدث يقع خارج نطاق توقعاتنا، أو يتجاوز قدرتنا المحدودة على التنبؤ.

​ففي حركة الطبيعة، قد تبدو حركة الرياح، وتراكم السحب، وسقوط أوراق الشجر في خريف الغابات، أحداثاً منفلتة من أي نظام.                   وفي حركة التاريخ والسياسة، يميل العقل —طلباً للتبسيط والمحاسبة اللحظية— إلى اختزال المنعطفات الجيوسياسية الكبرى في “مصادفات” أو حوادث عارضة عجلت بالانفجار.

​لكن هذا “القانون” المزعوم ليس إلا نتيجة مباشرة لمحدودية المنظور الإنساني؛ فنحن نسمي التقاطع المفاجئ بين مسارات مستقلة “صدفة”، لأننا لا نملك القدرة على إدراك البدايات التي انطلق منها كل مسار، ولا القوانين الخفية التي قادتهما حتماً إلى نقطة الالتقاء.

                                 ​

شواهد التاريخ وأثر الفراشة:

                                   ​

فحين ننزع قشرة العشوائية، نكتشف أن ما سميناه صدفة لم يكن إلا “المفتاح الظاهر” لخزان بارود نضج في الباطن على مهل، وأن “خفة اليومي العابر” تحمل في طياتها “ثقل الأبدي وحتميته”.                  

والتاريخ الحديث والقديم يزخر بشواهد تؤكد هذا التلازم:

​منعرج سراييفو (1914): ظل العالم يروي أن الحرب العالمية الأولى —التي حصدت ملايين الأرواح— اندلعت بسبب “صدفة” اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في سراييفو.                       

لكن الحقيقة التاريخية تقول إن أوروبا كانت عبارة عن شبكة معقدة من التحالفات السرية والأطماع الاستعمارية المستعرة التي وصلت لنقطة الاحتباس؛ لو لم يُغتل الأرشيدوق يومها، لاندلعت الحرب لأي سبب آخر، لأن الباطن كان مهيأً تماماً للانفجار.

                              ​

صفعة سيدي بوزيد (2010):

                    

وفي تجسيد حي لمفهوم “أثر الفراشة” —حيث تؤدي الحركة البسيطة الخفية إلى زلزال في مكان آخر— أقدم الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إشعال النار في جسده احتجاجاً على قهر أصابه ومصادرة عربة خضاره.                   

بدا الحدث مأساة محلية عابرة، لكن أثرها لم يزل؛ إذ فتحت الباب لـ”الربيع العربي” وقادت إلى تحولات كبرى عصفت بأنظمة راسخة.                 

لم تكن عربة الخضار هي من صنعت الثورة، إنما عقود الكبت، والفقر، وانسداد الآفاق التي أوجدت حطباً يابساً فاشتعلت المنطقة.

                                 ​

البُعد الآنّي وحرب أبريل:

 

​أما إذا أردنا إسقاط هذا الناموس على واقعنا الراهن، فإن حرب أبريل في السودان تقف كأكثر النماذج الحية إيلاماً وتجسيداً لجدلية الظاهر والباطن.

​لا يزال الجدل السياسي والإعلامي مستغرقاً ومحتبساً في تفاصيل ظاهر الصدفة والشرارة: من أطلق الرصاصة الأولى؟ وهل بدأت المعركة من حصار مطار مروي في الشمال أم من المدينة الرياضية في جنوب الخرطوم؟

​غير أن القراءة العميقة وفق ناموس “اللاصدفة” تتجاوز هذا السؤال المختزل؛ إن تلك الرصاصة الصباحية في منتصف أبريل لم تخلق واقعاً من العدم، بل كانت نتيجة حتمية لخطوط متقاطعة علي رأسها تشبث الإخوان المسلمين بسلطانٍ نُزّعَ بأمر مالك الملوك، وتعدد جيوش داخل دولة واحدة، واحتباس في الأفق السياسي العام، وتكالب للأطماع الدولية والإقليمية.                 

 إذاً لقد كان الانفجار حتمياً، سواء بدأت الحرب من مروي أو من المدينة الرياضية، فإن المقادير كانت تسوق المشهد نحو نقطة الصفر لأن “مقدمات” الأزمة لم تكن لتنتج في سياق السنن الوجودية إلا هذه “النتيجة” الكارثية.

                                ​

ناموس التدبير والكتاب المبين:

 

​هنا يتجاوز الوعي الإنساني حيرته الفلسفية ليصل إلى ذروة طمأنينته المعرفية ويقينه الوجودي؛ فالقرآن الكريم يحسم هذه الجدلية في نصوص محكمة تنفي الصدفة والعشوائية نفياً قاطعاً، ويربط نظام الكون بجراحات الإنسان.

​فبينما تؤسس آية سورة الأنعام لشمولية العلم الإلهي المحيط بكل تفاصيل الطبيعة وحركتها:

​﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

​تأتي آية سورة الحديد لتنقل هذا الناموس الكوني مباشرة إلى قلب المعاناة البشرية وجراحات الأوطان والأنفس، مؤكدة:

​﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

​هذا التلاحم البياني يكشف أن ما نراه “غيباً مجهولاً”، أو “فوضى عارمة”، أو حروباً ومصائب مباغتة تصيب الأرض والأنفس، هو عند الله نظام مسطور ومقدر سلفاً في كتاب مسيطر.

فإذا كان سقوط الورقة الجافة في غابة مهجورة خاضعاً للتقدير، فإن خراب المدن، ونزوح الملايين، ودماء الأبرياء —وإن بدت في الظاهر كأخطاء كارثية للتاريخ ولعبة صدف سياسية— تسير في الباطن وفق تتابع سننيّ قديم، يُعلم مبتداه ومنتهاه.

                           

السكينة المعرفية في عالم مضطرب:

 

​إن ربط “ظاهر الصدفة” بـ”باطن اللاصدفة” يمنحنا مسافة امان تحمينا من قوة الارتطام بركام الأخبار اليومية العاجلة، ويمنحنا سكينة معرفية في قراءة الأحداث.

ف​الاضطرابات والحروب التي تموج بها المنطقة اليوم ليست فوضى مطلقة ولا انهياراً للمنطق، إنما هي مخاضات وسياقات تجري وفق ناموس التدبير لولادة واقع جديد صاغته أيدي البشر بمقدماتها، وحكمته الأقدار بنتائجها.

​الصدفة هي وهم العاجز عن الرؤية، واللاصدفة هي حقيقة الوجود المحكم؛ وحين يدرك الوعي هذا التوازن، يتعلم كيف يقرأ ما بين السطور وما تحت الركام، متيقناً أن كل رصاصة، أو صرخة، أو تحول، إنما يسير لأجل مسمى، يصدر من كتاب مبين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.