معادلة “البوابة المصرية”: صعود وتآكل النفوذ المصري في السودان

معادلة “البوابة المصرية”: صعود وتآكل النفوذ المصري في السودان

نظام الإنقاذ وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في السودان. (الحلقة الرابعة)

دراسة تحليلية في نشأة النفوذ المصري في السودان، وآليات تشكله، والعوامل التي قادت إلى تآكله وإعادة تشكيله في ظل التحولات الإقليمية والحرب السودانية.

محمد الهادي – ٢ يوليو ٢٠٢٦

تمهيد

قبل الانتقال إلى أثر انقلاب الإنقاذ على هذه المعادلة، من المهم التذكير بما خلصت إليه الحلقات السابقة. فقد بينت الدراسة أن النفوذ المصري في السودان لم يقم فقط على عاملَي الجغرافيا أو الروابط التاريخية، بل تشكل عبر ما أسميناه “معادلة البوابة المصرية”، وهي آلية جعلت القاهرة، لعقود طويلة، القناة الرئيسية التي تعبر من خلالها كثير من المصالح العربية والإقليمية نحو السودان، مستندة إلى شبكة من الروابط السياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية.

كما أوضحت الحلقات السابقة أن هذه المعادلة وفرت لمصر مكاسب استراتيجية متعددة، شملت تعزيز نفوذها السياسي، وحماية مصالحها المائية، وتوجيه جانب مهم من الاستثمارات الخليجية وسلاسل القيمة المضافة المرتبطة بالموارد السودانية، إلى جانب ترسيخ دورها كوسيط إقليمي في إدارة الملفات السودانية. غير أن هذه المعادلة لم تكن ثابتة أو عصية على التغيير، بل ظلت مرتبطة بطبيعة البيئة الإقليمية وشكل السياسة الخارجية السودانية.

وفي هذه الحلقة، ننتقل إلى تتبع المرحلة التي بدأت فيها هذه المعادلة تتعرض لأول تصدع حقيقي، مع وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، وما تبعه من إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية، وانفتاح السودان على شركاء جدد، في مسار مهّد تدريجياً لتآكل الاحتكار النسبي الذي تمتعت به القاهرة لعقود.

القطيعة مع القاهرة وانهيار الشراكة التقليدية (1989–1995)

أحدث انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، الذي أوصل العميد عمر حسن أحمد البشير إلى السلطة بدعم من الجبهة الإسلامية القومية، تحولاً كبيراً في العلاقات السودانية المصرية. وعلى الرغم من أن القاهرة استقبلت الانقلاب في أيامه الأولى بقدر من الترحيب، انطلاقاً من كونه انقلاباً عسكرياً، بل ساد لديها في البداية اعتقاد بأن السلطة الجديدة تقودها عناصر داخل المؤسسة العسكرية يمكن التعامل معها، فإن هذا الانطباع لم يدم طويلاً. فسرعان ما اتضح أن الجبهة الإسلامية القومية هي القوة الفعلية التي تقود النظام وتوجه سياساته، وأن الخرطوم تتبنى مشروعاً سياسياً ذا مرجعية إسلامية يتعارض مع التوجهات الإقليمية للقاهرة.

وتعمق هذا التباين مع تبني حكومة الإنقاذ سياسة الانفتاح على الحركات الإسلامية، واستقبالها عدداً من الشخصيات والمنظمات الإسلامية، وفي مقدمتها أسامة بن لادن وحركة حماس الفلسطينية، فضلاً عن احتضانها مؤتمرات وتجمعات إسلامية دولية. وجاء ذلك في وقت كانت فيه مصر تخوض مواجهة أمنية وسياسية مفتوحة ضد الجماعات الإسلامية المسلحة داخل أراضيها، الأمر الذي دفع القاهرة إلى النظر إلى سياسات الخرطوم بوصفها تحدياً مباشراً لأمنها القومي ولمقاربتها الإقليمية في التعامل مع ملف الإسلام السياسي. ومنذ ذلك الوقت، بدأ الخلاف بين البلدين يتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية ليأخذ بعداً أيديولوجياً وأمنياً أكثر حدة، انعكس في تراجع التعاون السياسي والأمني وتصاعد التوتر بين العاصمتين.

وبلغت الأزمة ذروتها في يونيو 1995 عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، حيث حمّلت القاهرة، مدعومة بالتحقيقات الإثيوبية والدولية، الحكومة السودانية مسؤولية تسهيل العملية، وهو ما نفته الخرطوم. وأدت هذه الحادثة إلى تعميق العزلة الإقليمية والدولية المفروضة على السودان آنذاك، كما استغلت مصر هذا المناخ لتعزيز سيطرتها الفعلية على مثلث حلايب، لتدخل العلاقات بين البلدين إحدى أكثر مراحلها توتراً منذ الاستقلال.

بناء تحالفات إقليمية بديلة خارج النفوذ المصري

غير أن الأثر الأعمق لانقلاب الإنقاذ تمثل في إعادة صياغة اتجاهات السياسة الخارجية السودانية. فالنظام الجديد لم يكتفِ بالابتعاد عن القاهرة، فقد حاول بناء شبكة تحالفات إقليمية ودولية بديلة، استندت في سنواتها الأولى إلى اعتبارات أيديولوجية، كما استندت أيضاً إلى ضرورات كسر العزلة الدولية المفروضة على الخرطوم.

وفي هذا السياق، أقامت الخرطوم علاقات استراتيجية وثيقة مع إيران، التي أصبحت خلال التسعينيات أحد أبرز شركائها العسكريين والأمنيين، كما تطورت علاقاتها مع قطر وتركيا، اللتين وجدتا في حكومة الإنقاذ حليفاً سياسياً يتقاطع مع توجهاتهما الإقليمية. وقد أسهم هذا التموضع في ترسيخ محور سياسي مختلف عن المحور الذي كانت تتحرك فيه مصر، كما عزز استقلال القرار الخارجي السوداني عن القنوات التقليدية التي كانت القاهرة تعتمد عليها لإدارة نفوذها.

وفي المقابل، أثارت هذه التحالفات قلقاً عميقاً لدى السعودية والإمارات وعدد من دول الخليج، التي تعاملت بحذر مع حكومة الإنقاذ بسبب هويتها الإسلامية وعلاقاتها الوثيقة بطهران. ولذلك بقيت العلاقات الخليجية السودانية خلال سنوات طويلة محكومة باعتبارات أمنية وسياسية حالت دون تطورها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

التحول البراغماتي والانفتاح المباشر على الخليج

  1. إعادة تموضع السياسة الخارجية السودانية (ما بعد 2014)

ومع ذلك، لم يبق هذا الواقع ثابتاً. فمع تزايد الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، بدأ نظام الإنقاذ منذ مطلع العقد الثاني من الألفية في تبني سياسة خارجية أكثر براغماتية، تقوم على تنويع الشراكات الإقليمية وتخفيف الطابع الأيديولوجي لتحالفاته. وتجلّى هذا التحول بصورة أوضح بعد عام 2014، عندما اتجهت الخرطوم إلى تحسين علاقاتها مع السعودية والإمارات، ثم قطعت علاقاتها مع إيران عام 2016، في خطوة عكست إعادة تموضع استراتيجية أكثر منها تحولاً فكرياً.

  1. تدفق الاستثمارات الخليجية وتراجع الوساطة المصرية

وقد فتح هذا التحول الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات المباشرة بين السودان ودول الخليج، بعيداً عن الوساطة المصرية. فتدفقت استثمارات زراعية كبيرة، مثل مشروع الراجحي السعودي ومشروعات شركة أمطار الإماراتية، إلى جانب استثمارات أخرى في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية، وقد منح ذلك السودان منفذاً اقتصادياً جديداً خارج الإطار الذي اعتادت القاهرة إدارته. ولم يكن هذا التطور اقتصادياً فحسب، فقد حمل أيضاً دلالات سياسية واضحة، إذ مثّل تراجعاً عملياً لاحتكار مصر التقليدي لقنوات التواصل بين السودان وشركائه العرب.

لم يعد المشهد الخليجي يتسم بدرجة عالية من التماسك الاستراتيجي، إذ أخذت مصالح دوله الرئيسة تتباين بصورة متزايدة، سواء من حيث الأولويات الأمنية أو الأدوات الاقتصادية أو أنماط التمدد الإقليمي. هذا التباين لم يقتصر على اختلاف السياسات الخليجية فيما بينها، بل امتد ليعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الخليج ومصر، التي كانت تاريخياً تشكل أحد أهم مرتكزات النفوذ المصري في الإقليم.

فمع تنامي استقلال القرار الخليجي وتعدد مراكز اتخاذه، تراجع هامش الدور المصري الذي كان يقوم في السابق على قدرته على تقديم نفسه كمنصة تنسيق أو بوابة عبور للمصالح الخليجية نحو السودان وغيره من ساحات النفوذ الإقليمي. إذ إن أحد أهم مصادر قوة القاهرة التاريخية لم يكن فقط موقعها الجغرافي أو ثقلها العسكري، بل قدرتها على العمل كوسيط إقليمي ينسق بين العواصم الخليجية ويفتح لها قنوات النفوذ في محيطها العربي والأفريقي.

غير أن تشكل وجهات خليجية مستقلة، بما في ذلك تباين الأولويات بين السعودية والإمارات وقطر، أدى إلى تقليص هذا الدور الوسيط، وأضعف القدرة المصرية على احتكار قنوات التواصل الإقليمي. ونتيجة لذلك، لم تعد مصر تمثل المرجعية الوحيدة أو حتى الأساسية لتمرير المصالح الخليجية، وهو ما انعكس مباشرة على السودان بوصفه أحد أهم ساحات تفاعل هذه التحولات، حيث باتت القوى الخليجية تنخرط فيه عبر قنوات مباشرة، بعيداً عن الوساطة المصرية التقليدية.

لا يمكن التعامل مع الخليج بوصفه كتلة جيوسياسية متجانسة، إذ إن دوله الرئيسة تنتهج مقاربات مختلفة في إدارة علاقاتها مع السودان، تعكس تبايناً في الأولويات الاستراتيجية وأدوات النفوذ.

فالسعودية تنطلق في مقاربتها من اعتبارات ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار الممرات البحرية، إضافة إلى إعادة هيكلة اقتصادها في إطار تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل. وقد انعكس ذلك في توجهها نحو شراكات استثمارية وزراعية وأمنية في دول حوض البحر الأحمر، بما في ذلك السودان، باعتباره جزءاً من محيطها الأمني الممتد.

أما الإمارات، فقد تبنت نموذجاً أكثر ارتباطاً بتوسيع النفوذ الاقتصادي والاستثماري في القارة الأفريقية، مع تركيز خاص على قطاعات الموانئ واللوجستيات وسلاسل الإمداد. وفي الحالة السودانية، ارتبط حضورها بشكل واضح بقطاع الموانئ والبنية التحتية والمشروعات الزراعية، في سياق سعيها إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير وربط الموانئ الأفريقية بشبكاتها البحرية.

في المقابل، تتخذ قطر موقعاً مختلفاً داخل هذا المشهد، إذ تميل سياستها الخارجية إلى توظيف أدوات القوة الناعمة، بما في ذلك الوساطات السياسية والدعم الإعلامي والاستثمار في شبكات النفوذ ذات الطابع السياسي والإسلامي. وقد انعكس ذلك في انفتاحها على عدد من الفاعلين السياسيين والحركات ذات المرجعية الإسلامية في الإقليم، وهو ما جعل حضورها في بعض الساحات، ومنها السودان، مرتبطاً أكثر بالديناميات السياسية من الاعتبارات الاقتصادية أو الجيوأمنية المباشرة.

  1. الانخراط العسكري في التحالف العربي وإعادة تشكيل قنوات النفوذ

وقد انعكس ذلك في انضمام الخرطوم إلى التحالف العربي في اليمن، حيث دفع نظام البشير بقوات من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للمشاركة في عملية “عاصفة الحزم”. وقد وفرت هذه المشاركة للخرطوم قناة اتصال استراتيجية مباشرة مع الرياض وأبوظبي، ورسخت واقعاً جديداً من العلاقات الثنائية التي لم تعد تمر عبر القاهرة، كما كان يحدث في العقود السابقة.

تآكل “معادلة البوابة المصرية” وصعود التعددية الإقليمية

وبذلك، فإن نظام الإنقاذ، قد نجح نسبياً في كسر الاحتكار النسبي الذي وفرته “معادلة البوابة المصرية” وإعادة توزيع النفوذ. صحيح أن هذا الكسر بدأ بدوافع أيديولوجية عبر التحالف مع إيران وقطر وتركيا، ثم تحول لاحقاً إلى شراكات براغماتية مع السعودية والإمارات، إلا أن النتيجة في الحالتين كانت واحدة: لم تعد القاهرة القناة الوحيدة التي يمر عبرها انخراط القوى الإقليمية في السودان، وقد أسهم في ذلك التحول تنامي استقلالية القرار الخليجي عن المظلة المصرية، بالتوازي مع اتساع النفوذ الخليجي في الإقليم. وهو تحول مهّد تدريجياً لتآكل المعادلة التي استند إليها النفوذ المصري لعقود، قبل أن تتعرض لانهيار أوسع مع ثورة ديسمبر ثم الحرب السودانية.

ولم يقتصر هذا التحول الكبير على تنويع الشركاء الاقتصاديين، إنما أسهم أيضاً في إضعاف إحدى أهم ركائز “معادلة البوابة المصرية”. فمع توسع العلاقات المباشرة بين الخرطوم وكل من الصين والسعودية والإمارات وتركيا وقطر، أصبحت هذه الدول تمتلك قنوات اتصال مستقلة مع مؤسسات الدولة السودانية، ولم تعد بحاجة إلى المرور عبر القاهرة لإدارة مصالحها أو تنسيق مواقفها. وبهذا المعنى، بدأ الاحتكار النسبي الذي تمتعت به مصر في إدارة العلاقة الإقليمية مع السودان يتآكل تدريجياً حتى وإن ظلت القاهرة تحتفظ بنفوذ سياسي وعسكري معتبر داخل المؤسسة العسكرية السودانية.

وكان لهذا التحول أثر يتجاوز العلاقات الثنائية، إذ أدى إلى انتقال السودان من ساحة تدور فيها معظم التفاعلات الإقليمية حول محور واحد، إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح عدة قوى تمتلك أدوات تأثير مستقلة. ولم تعد القاهرة اللاعب الوحيد القادر على تسهيل الاستثمارات أو إدارة الاتصالات السياسية أو التنسيق الأمني، فقد أصبحت واحدة من عدة عواصم تتنافس على النفوذ داخل السودان. ومنذ تلك المرحلة، بدأ النفوذ المصري يتحول تدريجياً من موقع “الوسيط الإقليمي” إلى موقع “أحد الفاعلين الإقليميين”، وهو تحول لم تظهر آثاره كاملة إلا مع اندلاع ثورة ديسمبر ثم الحرب السودانية لاحقاً.

غير أن هذا التراجع لم يكن نهاية النفوذ المصري، إذ مثّل بداية مرحلة جديدة أعادت فيها القاهرة هندسة أدوات نفوذها في السودان، معتمدةً بدرجة أكبر على علاقاتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية، التي ظلت تمثل إحدى أهم ركائز نفوذها داخل الدولة السودانية. وهذه المرحلة ستكون محور التناول في الحلقة القادمة من الدراسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.