مجزرة المعدنيين.. لماذا غض الطرف عنها بواب مصر؟
اسماعيل عبد الله
بادئ ذي بدء نحي البوابين والنواطير (جمع ناطور) في كل أرجاء المعمورة، أولئك الذين يؤدون عملهم بكل أمانة ويسترزقون حلالاً طيباً مباركاً فيه، ولا علاقة للعنوان بالتقليل من شأنهم وشأن هذه المهنة الشريفة، فقط ذكرناها للدلالة على عار وخطيئة البواب عندما يسمح بدخول القتلة والسارقين الى العمارة المطلوب منه حراستها، بل ويكون عميلاُ دائماً لمخدميه ممن هم من غير سكان العمارة، فأمانة الحراسة وتأمين السكان من خطر الحرامية هي الأعظم من جميع الأمانات، والمسؤولية الأخلاقية تفوق كل المسئوليات، واختيار الناطور من قبل ملاك العمارات يأتي بعد تمحيص وتدقيق وفحص، لأن تعيين المجرم وصاحب السوابق الجنائية في هذا الموقع الحساس عواقبه وخيمة على السكان، فالبواب الذي سبق وأن أدين في جريمة تمس الشرف والأمانة لن يتورع في تكرارها بحكم نزعة الاجرام التي تلازمه، هذا ما أدى لما نحن فيه، فحارس المال والدم فتح البلاد على مصراعيها لدخول الباشوات لرعاية مصالحهم في بلادنا، ومصالحهم هذه بالضرورة تتنافى مع مصالحنا نحن سكان جنوب الوادي، وبالتالي يرتكب هؤلاء الباشوات الكبار كل الفظائع من أجل استمرار تدفق الذهب والثروات الحيوانية من ماشية وخلافه، ما دام حارس البوابة الجنوبية لا يمانع في انتهاك الأجواء والأراضي والبحار ودخول سيده الباشا في أي وقت يريد ليفعل كل ما يريد، وهذا بالضبط ما جرى للشباب المعدنيين السودانيين بشمال الوادي يقتلون وهم يتصببون عرقاً من أجل كسب الرزق الحلال.
الشعوب الحرة لابد أن تعيش على أرض حرة لا وضاية لأجنبي عليها، وكما نعلم أن أرض السودان ومنذ غزو محمد علي باشا لم تتحرر، بل تعاقب عليها المستعمرون ووكلاؤهم من البوابين والنواطير، الذين أشعلوا هذه الحرب ضماناً لاستمرار استنزاف أحفاد محمد علي لموارد البلاد، وحينما أسمع شعارات ثورة ديسمبر المجيدة (حرية وسلام وعدالة) يتبادر الى ذهني الاستفهام الكبير: كيف تتحقق الحرية ورئيس مخابرات الباشوات عباس كامل يصدر تعليماته للبواب بأن لابد من ذهاب حمدوك – رئيس وزراء الثوار الذي أتت به ثورة ديسمبر المجيدة، والذي واجه الباشوات بكشف حقيقتهم في إحدى اللقاءات التي جمعته بطاقمهم الحكومي، من هنا على ثوار ديسمبر أن يعوا ويعلموا أن التحرير لا يمكن أن يقوده أي مرتهن لأجندة محاور الإقليم، لذلك فإنّ الواجب ذي عبء كبير على اكتاف الثوار السلميين، ذلك الواجب الذي فشل فيه أجدادهم قبل قرنين من الزمان، فلم يشفع لهم حتى حرق بن الباشا قائد حملة الغزو ولا قطع رأس الضابط الإنجليزي وكيل الباب العالي في إدارة شأن السودان، هذا القطر الأفريقي الذي لم يستقل حتى تاريخ هذه اللحظة بينما كل افريقيا نالت استقلالها وشرعت بلدانها في دفن ماضيها المثقل بالاستغلال ونهب الثروات وامتهان كرامة الانسان، فهل نحن بحاجة لاكتساح شامل مثل اكتساح الجبهة الوطنية الرواندية لرواندا وإعادة بنائها بعد الخلاص من الفرنسيين ووكلائهم؟، اعتقد ذلك، لأن الحالة السودانية اقرب للحالة الرواندية الى حد ما.
علينا إبلاغ الجهات الدولية ذات الصلة بهذا العدوان الأجنبي المخترق للأجواء السودانية والمرتكب لأبشع جريمة عرفتها المنطقة، ويجب أن تضاف التحقيقات الخاصة بهذه الجريمة إلى التقارير السابقة الصادرة من المنظمات الدولية قبل أشهر، والمؤكدة على حقيقة انطلاق طائرات حربية من مطارات بقرب الحدود الجنوبية لجارة السوء، شنت هجمات على مدن وقرى سودانية بإقليمي كردفان ودارفور، هذا فضلاً عن تدمير البنى التحتية للعاصمة الخرطوم من جسور ومحطات طاقة بعد اندلاع الحرب، جميع خسائر هذه الجرائم بحق الدولة السودانية يجب أن تدرج على قائمة التعويضات الواجب الوفاء بها من قبل الدولة المعتدية، مثلها مثل التعويضات التي طالبت بها البلدان التي تعرضت للعدوان الصاروخي الإيراني سواء بسواء، بالرغم من أن أرواح الشباب الذين احرقهم الطيران المعتدي وقطع أجسادهم لا يعوضها مال ولا اعتذار، لقد قهرتنا هذه الجريمة النكراء أيما قهر، فإن لم تحرك فينا الساكن فلنراجع أنفسنا وعلينا الاجابة على السؤال السهل: هل مازال هنالك بقايا وجدان وطني واحد متماسك يتصدى لهذه الهجمة الإقليمية الشرسة؟، أم أن تفتت الجبهة الداخلية قد آتى أكله بالنسبة لأكلة القصعة؟، وفات علبنا حشد الحس الوطني للذود عن الأرض.