“محور القاهرة أسمرا”: “إدارة الأزمات” بالوكالة وتغذية الحرب السودانية تحت غطاء الشرعية

واشنطن: د. محمد عثمان

تأتي القمة الثنائية بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والإريتري أسياس أفورقي في القاهرة لتكشف عن عمق المأزق الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ورغم أن البيان الختامي تمحور حول “مسؤولية دول الساحل الحصرية” وأمن الملاحة، إلا أن القراءة العميقة للمشهد تُظهر أن الصراع في السودان يُمثل حجر الزاوية في هذا التحالف الفضفاض، حيث يتحول دعم النظامين لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من مجرد تأييد لسيادة الدولة إلى أداة وظيفية لتغذية استمرار الحرب واستغلال مقدرات السودان لمواجهة التهديدات الوجودية لكلا البلدين.

يتجاوز الدعم المصري-الإريتري للجنرال البرهان فكرة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانيةـ بل ينطلق من حسابات نفعية وأمنية ضيقة تُسهم مباشرة في إطالة أمد الحرب.

 يرى النظام المصري في استمرار سيطرة الجيش السوداني على السلطة ضمانة لعدم تحول السودان إلى حليف لإثيوبيا أو قاعدة نفوذ متقدمة لدولة الإمارات.

 بالنسبة للقاهرة وأسمرا، فإن بقاء البرهان في حرب استنزاف مستمرة أفضل من حسم المعركة لصالح قوى قد تعيد صياغة تحالفات القرن الأفريقي ضد مصالحهما.

ويمثل دعم أفورقي للجيش السوداني محاولة لقطع الطريق على أي تحالف قد ينشأ بين قوات الدعم السريع وقوى إثيوبية قد يهدد نظام أسمرا. لذا، فإن إريتريا تستفيد من بقاء شرق السودان تحت سيطرة الجيش كمنطقة عازلة لأمنها القومي.

وبالرغم من أن القمة لم تعلن عن تزويد الجيش بآليات لوجستية ضخمة تغير موازين القوى على الأرض، إلا أن الدعم السياسي والمعنوي، وتأمين الحدود الشرقية والشمالية للسودان، يمنح البرهان القدرة على رفض الحلول الوسطى والاستمرار في القتال، مما يحول الحرب إلى حالة معلقة بلا حسم، ويدفع الشعب السوداني ثمن هذا الاستنزاف.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه الداخل السوداني بالاقتتال الداخلي، تبرز المؤشرات الاستراتيجية لتوظيف مصر للثروات السودانية كجزء من دافعها لعدم السماح بسقوط الدولة في يد قوى معادية، حيث يمثل السودان بالنسبة لمصر عمقاً استراتيجياً حيوياً، خاصة في ملفي المياه والزراعة. في ظل التهديد المستمر الذي يشكله سد النهضة الإثيوبي، تحتاج مصر إلى سلطة في الخرطوم (ممثلة في الجيش) تتبنى ذات الموقف الرافض للهيمنة الإثيوبية على النيل.

ويتيح الفراغ الأمني الحالي والضعف الاقتصادي للحكومة السودانية المؤقتة في بورتسودان فرصة للقاهرة للحصول على تسهيلات اقتصادية وتجارية (مثل استيراد الماشية، اللحوم، والذهب، والمنتجات الزراعية) بأسعار تفضيلية أو عبر ترتيبات تخدم الاقتصاد المصري المأزوم، مستغلة حاجة نظام البرهان للدعم السياسي والدبلوماسي المصري في المحافل الدولية.

إن القمة المصرية-الإريترية في يونيو 2026 تثبت أن الطرفين وصلا إلى قناعة بأن تغيير المعادلات الاستراتيجية في المنطقة أمر بالغ الصعوبة، ولذلك تحولا إلى استراتيجية إدارة الأزمات عبر إطالتها.

وتغذية الحرب في السودان عبر الإبقاء على نظام البرهان حياً سياسياً ودبلوماسياً، دون منحه أدوات الحسم العسكري، يضمن للقاهرة وأسمرا استمرار استنزاف إثيوبيا والقوى الإقليمية الأخرى في الساحة السودانية. وفي غضون ذلك، تستمر مصر في تأمين مصالحها الحيوية وثروات السودان تحت غطاء الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة، مما يجعل استمرار الوضع الراهن المليء بالدماء والدمار في السودان، خياراً مفضلاً تكتيكياًلهذا المحور الدفاعي حتى إشعار آخر.

الراكوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.