المعلم في دولة الحرب

 المعلم في دولة الحرب

 

محمد هاشم محمد الحسن

ما يحدث للمعلمين في السودان ليس مجرد أزمة أجور. إنه تشريح للدولة التي كشفتها الحرب. تعجز السلطة عن الوفاء بحقوق المعلم، ثم تستدعيه لأنه طالب بها، فيتضح أن الخلل لم يعد مالياً أو إدارياً فقط. هذه ليست مجرد أزمة راتب، وإنما مؤشر على تبدل أعمق في ترتيب الأولويات داخل الدولة. وفي ظل هذا التبدل، لم يعد بناء الإنسان وحماية الخدمات العامة في صدارة الأولويات، وإنما تمويل الحرب وإخضاع المجتمع لمنطقها.

لم تكن عبارة البرهان المجد للبندقية مجرد هتاف عسكري. كانت تعبيراً مكثفاً عن ترتيب جديد للأولويات. فالمجد حين يمنح للبندقية لا يبقى في مستوى الشعار، بل يتحول إلى سياسة في توزيع الموارد والنفوذ والرمزية. وعندها لا يبقى الأمر مجرد خطاب، بل ينعكس على ترتيب المكانة والأولوية داخل الدولة. من يقترب من السلاح يقترب من مركز القرار، بينما يفقد التعليم موقعه بوصفه استثماراً استراتيجياً في مستقبل الدولة.

ومن أكثر مفارقات هذه المرحلة قسوة أن الحرب تُقدَّم للسودانيين باعتبارها حرب الكرامة، بينما تكشف أوضاع المعلمين الهوة بين الاسم والحقيقة. فحين تعجز حرب الكرامة عن صون كرامة المعلم، يصبح اسمها أول ما يحتاج إلى تفسير.

وهذا التناقض لا يظهر في الشعار وحده، بل في تفاصيل الحياة اليومية للمعلم. لم يعد راتبه يكفي لضمان الحد الأدنى الذي يجعل العمل العام ممكناً. والعامل في الخدمة العامة عندما يصبح عاجزاً عن العيش من أجره، لا تكون القضية قضية أجور أو استحقاقات متأخرة، وإنما أزمة تضرب الأساس الذي تقوم عليه الخدمة العامة نفسها.

لكن تفسير هذا التدهور لا يتوقف عند الأرقام والأجور. فالحرب هي التفسير الجاهز لكل شيء. تدهور الخدمات بسبب الحرب، وانهيار التعليم بسبب الحرب، وضياع حقوق المعلمين بسبب الحرب. غير أن السلطة التي تجعل من الحرب تفسيراً لفشلها، ترفض في الوقت نفسه إنهاءها أو تنسحب من كل مسار يمكن أن يقود إلى ذلك.

أما الأولويات الحقيقية فتظهر في الطريقة التي تُنفق بها الأموال العامة. فالدولة التي لا تجد ما يكفي للمعلم، لكنها تجد ما يكفي لاستمرار هياكل السلطة والوفود والسفريات والأنشطة السياسية والدبلوماسية، لا تعاني من ضائقة مالية فقط، بل من ضائقة أخلاقية في ترتيب المعنى. ففي هذا الترتيب يتقدم كل شيء تقريباً على المعلم، رغم أن أحداً لا يدفع ثمن هذا التقديم أكثر منه.

هذه ليست مجرد مفارقة في الإنفاق، وإنما صورة الدولة التي تنتجها الحرب. دولة لا تعجز عن تقديم الخدمات فحسب، وإنما تلتهم فكرة الخدمة نفسها. ومع صعود هذا النوع من الأولويات، لا يتراجع التعليم وحده، وإنما يتراجع الغد الذي يفترض أن يصنعه. فالدول لا تكشف نظرتها إلى المستقبل عبر الشعارات، وإنما عبر الموقع الذي تمنحه لمن يصنعونه.

ولا يقف أثر هذا التراجع عند حدود المعلمين أنفسهم. فتآكل مكانة التعليم وتراجع قيمة من يحملون عبئه لا يضران فئة مهنية بعينها، وإنما يضران القدرة التي يحتاجها السودان للخروج من دورات الحرب والانهيار وبناء مستقبل مختلف.

وما يزيد خطورة هذا المسار أن احتجاجات المعلمين نفسها لا تُقرأ باعتبارها إنذاراً لهذا التدهور. فاستدعاء المعلم بسبب إضرابه أو نشاطه النقابي يكشف أن السلطة لا ترى الاحتجاج مؤشراً على فشل السياسات، وإنما تحدياً لسلطتها ينبغي احتواؤه أو كسره.

ولهذا تحديداً تبدو قضية المعلم أكبر من نزاع مهني أو مطلب نقابي. فالمعلم ليس موظفاً عادياً في جهاز الدولة، لأنه يحرس الفكرة التي تقوم عليها الدولة من الأساس. وتهميشه لا يصيب فرداً أو مهنة بعينها، بل يصيب السلسلة التي تقوم عليها عملية بناء المجتمع كلها، من المدرسة والطالب إلى الدولة التي ستبحث غداً عن كفاءات لم تعد قادرة على إنتاجها.

ومن هنا تبدو أحاديث إعادة الإعمار ناقصة ما دامت المؤسسة التي تصنع البشر القادرين على الإعمار نفسها تتعرض لهذا التهميش. فإعادة الإعمار ليست مؤتمرات ولا وفوداً ولا وعوداً دولية. إنها تبدأ من فصل دراسي يقف فيه معلم قادر على العيش بكرامة. فإذا انهار المعلم، انهار معه الأساس الذي يقوم عليه أي مشروع جدي لانتشال البلاد من الخراب.

لهذا لا تتعلق قضية المعلمين بزيادة راتب أو صرف متأخرات فقط. إنها قضية تتصل بنوع السودان الذي سيخرج من هذه الحرب.

سودان يمنح المجد للبندقية ويترك المعلم في العوز، أم سودان يعرف أن رفع المعلم ليس امتيازاً مهنياً، بل شرط أولي لقيام الدولة نفسها. فالدولة التي تضع حامل السلاح فوق حامل المعرفة قد تؤجل سقوطها، لكنها لا تصنع بلداً قابلاً للحياة.

في النهاية، لا تكشف أوضاع المعلمين أزمة أجور ولا نزاعاً نقابياً فحسب، بل تكشف طبيعة الدولة التي تصنعها الحرب. فحين ترفع الدولة شأن البندقية وتترك المعلم في العوز، فهي لا تخسر قطاعاً مهنياً، بل تكسر الحلقة التي تبدأ منها كل دولة قابلة للحياة. وما تسميه انتصاراً اليوم، قد لا يترك غداً وطناً يستطيع الوقوف على قدميه.
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.