الجيش السوداني… ضجيج إعلامي وانهيار لمبادئ الاحترافية والانضباط
لا تُقاس قوة الجيوش بعدد البيانات الإعلامية ولا بحجم الظهور العلني للضباط، بل بقدرتها على أداء مهامها بكفاءة وانضباط بعيدًا عن الضجيج السياسي والاجتماعي.
فالمؤسسة العسكرية الحديثة تقوم أساسًا على مبدأ “الاحتراف المهني”، بمعنى أن الجيش مؤسسة وظيفتها حماية الدولة وحدودها وسيادتها، لا الدخول في المجال العام أو صناعة النجومية أو التنافس على الشعبية.
من اللافت وجود ثقافة عسكرية في بعض الدول تختلف تمامًا عن الصورة المنتشرة في كثير من الدول الأخرى، حيث لا يعرف الكثير من المواطنين، بل وحتى بعض العسكريين أنفسهم، أسماء القيادات التنفيذية الفعلية للجيش أو الأجهزة الأمنية، باستثناء القائد الأعلى للقوات المسلحة بصفته الدستورية.
والفكرة الأساسية هنا تقوم على أن المؤسسة العسكرية جهاز سيادي شديد الانضباط، تُحاط تفاصيله بقدر كبير من المهنية والسرية، وليست شأنًا عامًا مفتوحًا للتداول اليومي.
فلا أحد يتحدث عن مواقع الوحدات أو أعداد الألوية أو طبيعة التشكيلات أو تفاصيل القيادات التنفيذية، وحتى الحياة الاجتماعية للعسكريين تخضع لثقافة صارمة من التحفظ، إذ يتجنب كثير منهم الحديث عن طبيعة عملهم حتى داخل دوائرهم العائلية الضيقة.
بل إن بعض العسكريين لا يُفصحون حتى لأقرب الناس إليهم عن طبيعة عملهم الحقيقي إلا بعد سنوات طويلة، ليس خوفًا بالطبع، بل التزامًا بثقافة مؤسسية ترى أن الانضباط يبدأ من الصمت المهني.
كما أن ارتداء الزي العسكري خارج نطاق العمل يخضع لضوابط دقيقة، ويُمنع استخدامه في الاستعراض الاجتماعي أو الظهور الإعلامي غير المصرح به، فضلًا عن القيود المفروضة على التصوير والنشر والتداول الإعلامي المتعلق بالمؤسسة العسكرية.
العلاقة بين الجيش والمجتمع: مسافة منظمة
إن الجيوش المحترفة عبر العالم حافظت دائمًا على هذه المسافة المنظمة بينها وبين المجتمع المدني، وذلك لحماية طبيعة وظيفتها. فالعسكري الناجح ليس الأكثر ظهورًا، وإنما الأكثر التزامًا بالصمت المهني والانضباط والتنفيذ الدقيق للأوامر ضمن إطار القانون والدستور.
ولهذا فإن الدول القوية والديمقراطية لا تخلط بين “حق المجتمع في الرقابة” و”حقه في معرفة كل التفاصيل”. فالمواطن من حقه أن يعرف العقيدة العامة للدفاع والميزانيات التي تقرها المؤسسات التشريعية والسياسات الكبرى المتعلقة بالأمن الوطني، لكن ليس من الضروري أن يعرف البنية العملياتية أو أسماء القيادات الحساسة أو مواقع الانتشار أو آليات العمل الاستخباري والأمني.
فالرقابة الحقيقية في الدولة الحديثة تتم عبر الدستور والبرلمان والقانون والمؤسسات المختصة، وبالتأكيد ليس عبر تحويل المؤسسة العسكرية إلى موضوع دائم للنقاش الشعبي والإعلامي اليومي.
في الولايات المتحدة الأمريكية يخضع العسكريون لقانون صارم UCMJ (Uniform Code of Military Justice) ينظم سرية المعلومات والظهور الإعلامي والنشاط السياسي مع تصنيفات أمنية متعددة، كما هو الحال في بريطانيا حيث ينظم قانون Armed Forces Act الانضباط والتعامل مع الإعلام. أما سنغافورة فتمنع بصورة قطعية نشر أي معلومات أو صور عن وحداتها العسكرية، بينما تفرض إسرائيل رقابة عسكرية مسبقة على المواد الصحفية المرتبطة بالأمن.
فالديمقراطية توازن بين الشفافية والأمن القومي، ولا تعني بأي حال من الأحوال كشف كل شيء. فالدولة القوية تدرك أن العبرة في ضمان احتراف جيشها وابتعاده عن الصراعات.
في المقابل، يؤدي غياب هذا الانضباط إلى كوارث فادحة، فما شهدته ليبيا، على سبيل المثال، لا يعكس وضعًا مستقرًا، حيث تحولت إلى ساحة لميليشيات قبلية ومناطقية متعددة مختلفة الولاءات.
ولعل النموذج الصومالي يقدم دليلًا لا تخطئه العين على وضع حل فيه السلاح القبلي محل الدولة، بينما شهد العراق بعد عام 2003 تداخلًا خطيرًا بين الجيش والولاءات الحزبية والإثنية.
أما نموذج السودان فيُعد من أكثر النماذج تعقيدًا وخطورة في المنطقة فيما يتعلق بتعدد القوى المسلحة وتآكل مفهوم المؤسسة العسكرية المركزية.
فعبر سنوات طويلة، اتجهت سلطة الإنقاذ إلى تكوين ميليشيات قبلية وعقائدية ومناطقية تحت مسميات مختلفة، بدلًا من ترسيخ جيش وطني مهني موحد يحتكر السلاح والقرار العسكري.
فظهرت قوات الدفاع الشعبي ذات الطابع العقائدي خلال بواكير عهد حكومة الحركة الإسلامية الإرهابية، ثم تعددت لاحقًا التشكيلات المسلحة والميليشيات القبلية وقوات حرس الحدود والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولًا إلى تكوين قوات الدعم السريع التي تحولت مع الوقت إلى واحدة من أكبر القوى العسكرية في الدولة.
تراجع فكرة الجيش القومي
ومع توسع هذه التشكيلات، تراجعت تدريجيًا فكرة “الجيش القومي الواحد”، وأصبح السودان يضم جيشًا نظاميًا وقوات شبه نظامية وحركات مسلحة وميليشيات قبلية وتشكيلات ذات ولاءات متباينة، الأمر الذي أضعف وأوهن العقيدة العسكرية الموحدة ووحدة القرار الأمني والسيادي داخل الدولة.
كما شهد السودان حالة من الفوضى غير المسبوقة في مسألة الزي العسكري والرتب والمظاهر المسلحة، حتى أصبح من الصعب على المواطن التمييز بين القوات النظامية والميليشيات والتشكيلات شبه العسكرية.
وانتشرت مشاهد حمل السلاح والظهور بالبزات العسكرية خارج الأطر المهنية المنضبطة، وتحوّل الزي العسكري في بعض الأحيان إلى رمز نفوذ اجتماعي وسياسي بدلًا من أن يبقى رمزًا للانضباط والاحتراف.
وأصبح الظهور الإعلامي والسياسي والعام لبعض القيادات العسكرية جزءًا من المشهد اليومي، وهو أمر يعكس حجم التداخل بين المؤسسة العسكرية والمجال السياسي والاجتماعي، ويؤثر تدريجيًا على صورة الجيش كمؤسسة قومية مهنية محايدة.
عدم الاتزان
إلى جانب هذه الفوضى الميدانية، يعيش الجيش السوداني نفسه حالة من عدم الاتزان الإداري والتنظيمي غير المسبوق، حيث أصبحت كشوفات الترقيات والإحالات إلى المعاش والتنقلات الوظيفية بين الوحدات تتم على مرأى ومسمع عبر وسائط التواصل الرقمي بسهولة، بما يعكس فوضى عارمة تفتقر إلى أي معايير مهنية أو شفافة.
أما ما يحدث في ميليشيات الشركات المسلحة المتحالفة مع الجيش من نشر للترقيات والتحركات، فيجري بشكل فوضوي كبير، حيث تُمنح الرتب العسكرية بلا قواعد أو نظم، بل وفق ولاءات شخصية ليس أكثر، مما أفقد المؤسسة العسكرية استقرارها الداخلي وقدرتها على التخطيط طويل المدى.
هذا الانهيار في الإدارة العسكرية جعل الجيش نفسه غير قادر على التحكم بموارده البشرية بشكل عقلاني، وزاد من حالة التشرذم داخل صفوفه، وأضعف الروح المعنوية للضباط والجنود الذين أصبحوا غير متأكدين من مستقبلهم الوظيفي أو معايير التقييم العادل داخل مؤسستهم.
الفوضى الميدانية الحالية في السودان
إن الفوضى في السودان اليوم هي نتيجة مباشرة لسنوات من تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة، حيث تحول المشهد إلى فسيفساء معقدة من التشكيلات المقاتلة. والنتيجة التي وصل إليها السودان اليوم كانت قاسية للغاية، إذ انهارت أجزاء كبيرة من مؤسسات الدولة، وتعرض ملايين المواطنين للنزوح واللجوء، وتضررت البنية التحتية والاقتصاد والخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة بسبب حرب خطط لها الإسلاميون بشكل مسبق للوصول إلى السلطة مهما كلف الأمر.
كما أصبحت المدن ساحات مفتوحة للاشتباكات المسلحة والانتهاكات والفوضى الأمنية في مشهد يعكس خطورة تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة الواحدة.
ونتيجة لذلك، ترتبت تحالفات عسكرية على الأرض يعتمد فيها الجيش السوداني على شبكة واسعة من الميليشيات، أبرزها “القوة المشتركة” التي تضم حركات مسلحة موقعة على اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020. كما ضم الجيش إلى صفوفه كتائب إسلامية إرهابية مثل “لواء البراء بن مالك”، إضافة إلى “قوات درع السودان”.
هذه التركيبة الهشة تعني أن السودان يضم اليوم جيشًا نظاميًا وميليشيات قبلية وحركات متمردة سابقة وفصائل إسلامية إرهابية، بل وقوات منشقة بدوافع الطموح الشخصي والمادي، مما جعل الخط الفاصل بين “الجيش الوطني” و”الميليشيا” غير قابل للتمييز، وأدى إلى انهيار احتكار الدولة للسلاح وتحويل المدن إلى ساحات مفتوحة للفوضى.
الإصلاح لا يزال ممكناً
ورغم قسوة الواقع الحالي، فإن الإصلاح لا يزال ممكنًا، وإن كان صعبًا ويحتاج إلى إرادة سياسية ووطنية حقيقية. فقد ظلت قوى الثورة المدنية تنادي منذ وقت مبكر بضرورة الإصلاح الأمني والعسكري ودمج كل التشكيلات المسلحة داخل جيش قومي مهني واحد يخضع لسلطة مدنية ودستور وقانون.
وقد برز ملف الإصلاح الأمني والعسكري بصورة أكثر وضوحًا عقب توقيع الاتفاق السياسي الإطاري في ديسمبر 2022، عندما أصبحت قضية بناء جيش مهني موحد ودمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية قومية واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل العملية السياسية الانتقالية.
وشهدت الخرطوم في مارس 2023 واحدة من أكثر النقاشات حساسية في تاريخ السودان الحديث، حين اجتمع العسكريون والقوى المدنية لمناقشة ملف الإصلاح الأمني والعسكري ومستقبل دمج القوات المختلفة داخل جيش قومي موحد، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة المسلحة التي أضعفت الدولة لسنوات طويلة.
بل إن النقاشات المتعلقة بالإصلاح العسكري والأمني تواصلت قبل أن يفجر الفصيل المتضرر من عملية الإصلاح الأمني والعسكري الحرب في أبريل 2023، لتقطع الطريق أمام أي بوادر إصلاح واستكمال لمبادئ ثورة ديسمبر المجيدة.
لهذا فإن مستقبل السودان يُبنى بإعادة تأسيس مفهوم الدولة نفسها؛ دولة تحتكر السلاح عبر مؤسسة عسكرية قومية محترفة، بعيدة عن القبلية والعقائدية والحزبية والولاءات الشخصية، وتخضع لسلطة القانون والدستور وحدهما.
فبدون إنهاء هذه الفوضى الإدارية والميدانية معًا، وبدون إعادة بناء جيش مهني قائم على الكفاءة والشفافية والانضباط، سيظل السودان أسير دائرة العنف والتفكك. فهيبة الدولة تُصنع بوجود مؤسسات تعرف حدودها بدقة، وجيش محترف يؤدي واجبه بصمت، ومجتمع يدرك أن الأمن القومي مسؤولية تتطلب الانضباط والثقة بالمؤسسات.
صحيح السودان