الطين الذي فضح الدولة

الطين الذي فضح الدولة

بقلم:فاطمة لقاوة

ليست هذه مجرد صورة لسيارة غارقة في وحل الخريف بشرق دارفور، وليست مشهداً عابراً يمكن أن يمرّ بلا توقف؛ إنها صورة تختصر تاريخاً كاملاً من التهميش، وتكشف – ببلاغة الطين – كيف أُدير السودان لعقود بعقلية مركزية لا ترى الهامش إلا خزّاناً للثروات التي يتم نهبها والرجال الذين يتم إستغلالهم في خوض حروب وكالة عن دولة، لا شريكاً في الوطن والسلطة والتنمية.

في هذه الصورة يقف وزير النفط والطاقة بحكومة السلام، الأستاذ الباشا طبيق، وسط الوحل الذي طالما إبتلع أحلام أهل دارفور وكردفان، وهو في طريقه لأداء القسم الدستوري.

المفارقة هنا ليست في تعطل المركبة، بل في أن الرجل الذي يتجه لتولي وزارة تُدر مليارات الدولارات، لا يزال يعبر طرقاً تشبه طرق القرون المنسية،أيُّ دولةٍ تلك التي كانت تستخرج النفط من أرضٍ لا تستطيع أن تشق لأهلها طريقاً واحداً معبداً؟لقد عاش الهامش السوداني لعقود طويلة تحت سُلطة مركزية جائرة، جعلت من الخرطوم واجهة للترف السياسي، بينما تُركت مناطق الإنتاج تغرق في الطين والعُزلة والفقر،فمنذ إتفاقية نيفاشا المشؤمة، تدفقت ثروات البترول من غرب كردفان ودارفور نحو المركز، لكن شيئاً من ذلك الثراء لم ينعكس على الأرض التي أُخذ منها النفط،لا مستشفيات، لا طرق، لا كهرباء، ولا حتى الحد الأدنى من العدالة التنموية.

كانت السلطة السابقة تتحدث عن التنمية في نشرات الأخبار، بينما كان المواطن في الهامش يقاتل للوصول إلى مدينة تبعد عنه ساعات قليلة، وكأن بينه وبين الدولة حدوداً دولية لا طرق وطنية.

هذه الصورة تحمل ما هو أعمق من الألم؛ إنها إعلان رمزي عن بداية تحوّل تاريخي،فالمسؤول اليوم لم يعد قادماً من الأبراج المعزولة، بل من قلب المعاناة نفسها. رجل يعرف شكل الطين، ويعرف معنى أن تتعطل الحياة بسبب طريق مُهمل، ويعرف كيف تحوّل المركز لعقود إلى كيان يستهلك الثروة دون أن يعترف بأصحابها.

حرب 15 أبريل، بكل مآسيها وتعقيداتها، أعادت طرح السؤال السوداني الكبير: من يملك الحق في إدارة الدولة؟ ومن يحق له أن يقرر مصير الأقاليم التي ظلت تدفع الثمن وحدها؟.

اليوم، تقف حكومة السلام أمام إختبار حقيقي، لا تصنعه الخُطب ولا البيانات، بل تصنعه الطرق، والمستشفيات، والمدارس، وعدالة توزيع الموارد،فإذا خُصص جزء يسير من عائدات النفط لتنمية مناطق الإنتاج سابقا،لتغيّر وجه هذه المناطق بالكامل خلال سنوات التي تلت إستخراج البترول ،ولكن أصحاب المصالح الشخصية و الشخصيات الكرتونية التي ذهبت الآن لمتاعيس بورتسودان هُم سبب نكبة اهلنا في الولايات الغربية.

لقد آن الأوان لأن يصبح النِفط نٍعمة لأهله، لا لعنة عليهم.

هذه الصورة ليست صورة طين فقط؛ إنها صورة وطنٍ عالق بين عهدين:عهدٍ سابقاً كان يرى الهامش هامشاً يجب إستغلاله،وعهدٍ جديد يحاول أن يعيد تعريف السودان على أساس الشراكة والعدالة والكرامة الإنسانية.

الطريق الذي غاصت فيه عجلات السيارة، هو ذاته الطريق الذي يجب أن تعبره الدولة السودانية الجديدة؛ طريق الإعتراف بالهامش، وإنصاف الإنسان و الإهتمام به، وبناء وطن لا يغرق فيه المواطن في الوحل بينما تسبح ثرواته نحو قصور المركز.

ولنا عودة بإذن الله

الخميس،٢١مايو/٢٠٢٦م

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.