العنصرية الناعمة في السودان… كيف نعيد تشكيل الوعي الجمعي؟
العنصرية الناعمة في السودان… كيف نعيد تشكيل الوعي الجمعي؟
زكريا علي عبد الرسول
ليست العنصرية الناعمة في السودان مجرد شتائم مباشرة أو مواقف صاخبة، بل هي ذلك النوع الهادئ من التمييز الذي يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى النكات العابرة، وإلى الصور الذهنية التي تتشكل داخل العقل الجمعي حتى تصبح جزءًا من السلوك الاجتماعي دون شعور بخطورتها.
وفي المقالات السابقة أشرنا إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل تبدأ بإعادة تشكيل الوعي المجتمعي السوداني؛ لأن المجتمع الذي يحمل تصورات مختلة عن بعضه البعض، سيظل عاجزًا عن بناء وطن متماسك مهما تحدث عن الوحدة والسلام.
لكن كيف تتم إعادة هذا الوعي؟
وما هي الأدوات القادرة على تفكيك العنصرية الناعمة داخل المجتمع السوداني؟
أولًا : الاعتراف بالمشكلة
لا يمكن معالجة خللٍ يرفض الناس الاعتراف بوجوده. وأخطر ما يواجه قضية العنصرية الناعمة أن كثيرين يعتبرونها أمرًا عاديًا أو مجرد “مزاح اجتماعي”، بينما هي في حقيقتها تُنتج الكراهية بصمت. فالعبارات التي تنتقص من قبيلة أو منطقة أو لون بشرة، حتى وإن قيلت بعفوية، تترك أثرًا عميقًا داخل الوعي العام.
ولهذا فإن البداية الحقيقية تكمن في الاعتراف بأن هناك خللًا يحتاج إلى مراجعة، لا بهدف جلد المجتمع، وإنما بهدف إصلاحه.
ثانيًا : مراجعة الخطاب الأسري:-
الأسرة هي المدرسة الأولى للوعي. فالطفل لا يولد وهو يحمل كراهية تجاه أحد، بل يكتسبها تدريجيًا من محيطه الاجتماعي. وحين يسمع داخل المنزل سخرية من لهجة معينة، أو انتقاصًا من مجموعة سودانية، فإن تلك الأفكار تتحول مع الزمن إلى قناعات راسخة.لذلك فإن إعادة تشكيل الوعي تبدأ من البيوت:
١– باحترام التنوع.
٢– منع الألفاظ العنصرية.
٣– تربية الأبناء على أن قيمة الإنسان في أخلاقه وإنسانيته لا في قبيلته أو لونه أو منطقته.
ثالثًا: إصلاح المناهج الدراسية.
المدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط، بل مؤسسة تصنع وعي الأجيال. فالمناهج الدراسية يجب أن تُعرّف الطالب بالسودان الحقيقي بكل تنوعه الثقافي والاجتماعي، لا بسردٍ ضيق يُشعر بعض المكونات بأنها خارج المشهد الوطني. حين يرى الطالب ثقافته ولهجته وتاريخه حاضرًا داخل الكتاب المدرسي، يشعر بأنه جزء أصيل من الوطن، لا مجرد هامش فيه. ولهذا فإن إصلاح المناهج يجب أن يقوم على:
١– ترسيخ مفهوم المواطنة.
٢– تعليم احترام التنوع.
٣– تقديم تاريخ السودان باعتباره نتاجًا لكل مكوناته.
٤– تعزيز قيم التعايش والعدالة الاجتماعية داخل البيئة المدرسية.
فالطفل الذي يتعلم احترام الاختلاف داخل الفصل الدراسي، سيكون أقل قابلية لحمل الكراهية حين يكبر.
رابعًا: إصلاح الخطاب الإعلامي والثقافي:-
الإعلام ليس ناقلًا للأحداث فقط، بل صانع للوعي.
وعلى مدى سنوات ساهمت بعض الأعمال الدرامية والمحتويات الساخرة في ترسيخ صور نمطية مهينة عن بعض المكونات السودانية، عبر ربطها بالجهل أو التخلف أو العنف. ولهذا فإن مواجهة العنصرية الناعمة تحتاج إلى إعلام يُعلي قيمة التنوع، ويُظهر السودان الحقيقي بكل ثقافاته ولهجاته ومكوناته المختلفة. فالثقافة الواعية قادرة على هدم الجدران التي تبنيها الكراهية.
خامسًا: إعادة بناء مفهوم الهوية الوطنية:-
واحدة من أزمات السودان التاريخية هي الصراع حول سؤال: من هو السوداني؟ وحين تُختزل الهوية الوطنية في ثقافة أو جهة أو مجموعة محددة، تبدأ بقية المكونات بالشعور بالتهميش والإقصاء. ولهذا فإن إعادة تشكيل الوعي تتطلب بناء مفهوم وطني واسع، يقوم على أن السودان وطنٌ للجميع، وأن تنوعه ليس تهديدًا لوحدته، بل مصدرًا لقوته. فالهوية الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالإلغاء، وإنما بالاحتواء.
سادسًا: إعادة إحياء التواصل المجتمعي:-
العنصرية تنمو غالبًا داخل البيئات المنغلقة.
فكلما ابتعد الناس عن بعضهم البعض، زادت مساحة الأحكام المسبقة والخوف المتبادل.
ولهذا فإن من أهم وسائل إعادة الوعي هي:
١– تشجيع التبادل الثقافي والأنشطة المشتركة.
٢– المبادرات الشبابية العابرة للقبائل والمناطق.
٣– إحياء المساحات الاجتماعية التي تجمع السودانيين بعيدًا عن التصنيفات الضيقة.
فحين يتعرف الإنسان على الآخر عن قرب، تسقط كثير من الصور الزائفة التي صنعتها العنصرية.
سابعًا: مواجهة الخطاب العنصري:-
الصمت أمام العنصرية يمنحها شرعية غير مباشرة.
فحين تُقال عبارة مهينة ضد مجموعة سودانية داخل مجلس أو منصة إعلامية ثم تمر دون اعتراض، فإن المجتمع يشارك ــ ولو بصمته ــ في إعادة إنتاج المشكلة. ولهذا فإن إعادة الوعي تتطلب شجاعة أخلاقية في رفض الخطاب العنصري، حتى وإن جاء في صورة مزاح عابر.
لأن الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى خطًا أحمر.
ثامنًا: إعادة الاعتبار لفكرة الوطن:-
حين تضعف فكرة الوطن، تقوى الانتماءات الضيقة.
وفي لحظات الأزمات والانهيار يعود الناس إلى القبيلة والجهة طلبًا للحماية والانتماء، وهنا تتحول العنصرية إلى وقود للصراع. ولهذا فإن بناء وعي جديد يحتاج إلى مشروع وطني يعيد للإنسان السوداني ثقته في الوطن الجامع، وطن يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في القيمة والكرامة والمصير.
خاتمة:
إن العنصرية الناعمة أخطر من العنصرية الصريحة؛ لأنها تتسلل إلى النفوس بهدوء، وتعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية دون ضجيج. ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط ضد الكلمات، بل ضد الوعي الذي يُنتج تلك الكلمات.
إعادة تشكيل الوعي الجمعي ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمثقف، ورجل الدين، والسياسي، والشباب.
فالسودان الذي مزقته الحروب والكراهية، لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الإنسان السوداني من الداخل.
وربما تكون تلك هي المعركة الأصعب…
لكنها أيضًا المعركة التي بدونها لن ينتصر الوطن.
تحياتي