ميزان الدم والعدالة المعكوسة
ميزان الدم والعدالة المعكوسة
خارج البروتوكول
بقلم: عبير ياسر
يدخل السودان عامه الرابع من المحرقة المستمرة، وتتحرك جبهات المعارك وتتبدل الخرائط، لكن المشهد الأكثر إيلاماً وخطورة لا تدور رحاه في الخنادق، بل في قاعات المحاكم ومنصات الإعلام. إنه مشهد الانفصام الأخلاقي والعدلي الحاد الذي يمارسه الواقع العسكري اليوم؛ حيث تتجلى مأساة “الميزان المعكوس” في أبهى صورها الفجة: قادة مدججون بدمار المدن وسفك الدماء يُستقبلون استقبال الفاتحين تحت مسمى “العودة إلى حضن الوطن”، بينما المواطن الأعزل، المسحوق تحت خط النار، يُساق إلى المشانق بتهمة “التعاون” لمجرد أنه حاول البقاء على قيد الحياة.
شهدت الساحة الميدانية مؤخراً موجة من الانشقاقات الكبرى لقادة ميدانيين بارزين من قوات الدعم السريع، مثل اللواء النور أحمد آدم “النور القُبة”، وعلي رزق الله “السافنا”. هؤلاء القادة، الذين قادوا أعتى المعارك في الخرطوم والفاشر وأشرفوا على آلات الموت لسنوات، استقبلهم الجيش السوداني ببيانات الترحيب والتهليل، وفُتحت لهم الذرائع السياسية والعسكرية تحت عباءة “العفو العام”. فجأة، تحول “المتمرد المحارب” بمجرد تبديل ولائه القَبَلي أو العسكري إلى بطل وطني يُحتفى به، وتُغسل يداه من دماء آلاف الضحايا بمسحة قلم من قيادة السلطة المركزية.
وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من المأساة، تصدر المحاكم العسكرية والمدنية في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش عشرات أحكام الإعدام بتهمة “التعاون مع الميليشيا المتمردة” ضد مدنيين عُزّل ونشطاء ومحامين. ما هي جريمة هؤلاء؟ جريمتهم الوحيدة أنهم وجدوا أنفسهم جغرافياً في “خط مرمى النيران”. هم مواطنون لم يهربوا ولم يحملوا بندقية، تعايشوا مجبرين مع سلطة الأمر الواقع التي فرضتها قوات الدعم السريع على أحيائهم وقراهم، اشتروا الخبز، فتحوا المتاجر، أو مارسوا مهنهم الطبية والقانونية لإبقاء من تبقى من أسرهم حياً وسط الحصار والجوع والكوليرا.
إنها المفارقة التاريخية المخزية التي سيسجلها التاريخ بمداد من الخزي: القاتل الفعلي، صاحب الرتبة العسكرية والعتاد الحربي الذي دمر النسيج الاجتماعي والمدني، يُكافأ بالحصانة وبـ”حضن الوطن” الدافئ لمجرد أنه قرر القفز من سفينة حلفائه السابقة. بينما المواطن الضحية، الذي لم يكن له في هذه الحرب ناقة ولا جمل، يُعدم ميدانياً أو قضائياً بتهم كيدية فضفاضة تصنف “التعايش الاضطراري” كخيانة عظمى للدولة.
تسييس القضاء وتحويل منصات العدالة إلى أدوات تصفية وانتقام كيدي لا يخدم مفهوم الدولة ولا السيادة، بل يكرّس شريعة الغاب. عندما تصبح النجاة حكراً على من يملك البندقية، ويصبح الموت غاية تُساق إليها الرقاب العزلاء، تفقد السلطة أخلاقيتها قبل أن تفقد شرعيتها السياسية.
إن التاريخ لا يرحم، والصحافة الحرة لن تغمض عينيها عن هذا الخلل البنيوي المروع. إن “حضن الوطن” لا يجب أن يكون مأوى آمناً للقتلة ومقبرة جماعية للضحايا. إذا أرادت قيادة الجيش إرساء استراتيجية حقيقية لتفكيك الأزمة، فإن العدالة يجب أن تكون مستقيمة لا عوراء: إما قانون يُطبق بحسم على من أشعل الحرب وحمل السلاح، أو عفو حقيقي يشمل المواطن المغلوب على أمره قبل أن يشمل الجنرال المنشق. ما دون ذلك ليس سوى تدمير لما تبقى من ضمير الدولة ومؤسساتها، وإفساح للمجال أمام فوضى لا تبقي ولا تذر.
صوت الأمة